الولد والخاتم

31 12 2011

كان ذلك البحر أكثر زرقة من كل البحار، وكانت أسماكه شفافة تماماً كدموع الولد ذي البشرة المائلة قليلا إلى الزرقة، وكان الولد جالساً وحده أمام البحر في تلك الليلة، حين انتبه إلى صوت ترقرق على جدران قلبه:

“أبشر أيها الولد. إن ملك هذا البحر قد عرفك فأحبك، وقد أمرنا بصنع هذا الخاتم لك أنت. لكنه لن يناسبك حتى تناسبه، فاصبر أيها الولد.”

وبسط يمناه فوجد خاتماً من فضة لم ترَ عين مثلها، فوق سطحه المصقول تبددت ظلمة الليل، وانعكست صورة سماوية لقمر يموت، ونجوم ماتت بالفعل. ورأى النقش المُبهم على الخاتم فانقبض قلبه لكنه لم يعرف السبب. جرّب أن يضعه حول إصبعه فتأكد له أنه أكبر من أن يناسبه.

لبث أياماً يسأل البحر: “كيف أناسبه حتى يناسبني؟!” فلم يُجِبْه إلا صدى صوته الذي بدا له غريباً ممطوطاً.
قرر أن يتجه إلى المدينة ليسأل أهلها، فأجابه شيخ لا يَرى: “هناك، في (الحَوافريّة)، قرية الحدّادين. يعرفون كيف يتصرفون مع تلك الأشياء. اتبع الدخان تصِل.”

ومضى يتبع الدخان حتى وصل إلى أول نار في القرية، وجد عندها رجلا أسود الجبهة والكفين، عرض عليه خاتمه وسأله إن كان يستطيع تضييقه، قلّبه الرجل بين أصابعه الغليظة وأجاب: “طبعاً. لكنه ليس من هنا. عليه صورة بُرج حظّ، صَحّ؟ انتظِر هنا.” وغاب الرجل خلف النار بُرهة امتزجت فيها دقات طرق المعدن بدقات قلب الولد، ثم عاد الرجل وألقى بالخاتم في إناء مليء بالماء الكدِر، وقال: “خمسة وعشرون درهماً.”

نظر الولد إلى خاتمه فلم يعرفه. انقطع تنفسه حيناً وهو يرى ذلك الظل المعدني القاتم الذي أخذ يزحف فوق سطح الفضة. سأل الحدّاد وروحه تهوي حزناً وتمور غضباً، فأجابه: “لا أرى ظلالا، وكل حديد يصدأ في النهاية، صَحّ؟”

أعرض ومضى يضرب الأرض بلا هُدى فلم يوقفه إلا البحر. نظر إلى الخاتم فوجد الظل مستمراً في التهام الفضة. صوت ناعم غريب أتاه من البحر لكن هدير الموج حال بينه وبين تمييزه. قبض على الخاتم بيمناه وألقاه إلى أبعد موجة فهدأ صخب البحر وسكت الصوت الغريب، وفوق دَمعته الدافئة – التي تحررت أخيراً – انعكست صورة سماوية لقمر يُولد، ونجوم لم تولد بعد.

. . .

يزعم شيوخ الصيادين أن ذلك البحر كان يوماً أكثر زرقة من كل البحار، وأن أسماكه كانت شفافة تماماً كزجاج واجهات المتاجر الجديدة في أقصى المدينة. لكن باقي سكان البلدة يعرفون جيداً أن ذلك البحر ككل البحار، وأن أسماكه – ككل الأسماك – تخرج من البحر بلون الفضة لكنها عندما تصل إلى السوق تكون قد أخذت لون الحديد.

أحمد الديب
31/12/2011





الحياة

18 12 2011

“كوكبنا هذا وطن لما يقرب من ثلاثين مليونا من أنواع الحيوانات والنباتات، كل فرد فيها يخوض – طوال حياته – معركته اليومية للبقاء. فأينما وجّهتَ بصرك – برَّا وبحرا – وجدتَ أمثلةً مذهلة لتلك الجهود الخارقة التي تبذلها الكائنات، فقط لتبقى حية.”

بهذه العبارة القصيرة البليغة – بالصوت الساحر المميز لعالم الطبيعة والمذيع البريطاني الأسطوري ديفيد آتينبارا – تبدأ سلسلة الأفلام الوثائقية “الحياة” التي عُرض أول أجزائها العشرة على “بي بي سي” في أكتوبر 2009 ضمن “موسم داروين” الذي أطلقته القناة احتفالا بمرور مائتي عام على مولد عالم الطبيعة الأشهر، ومرور مائة وخمسين عاما على نشر كتابه “أصل الأنواع” الذي أطلق الصيحة الشهيرة “الكفاح من أجل البقاء”، والتي تحدد الفلسفة العامة التي بُنيت عليها سلسلة أفلام “الحياة”، فقد اقتصر اهتمام صناع السلسلة على أكثر السلوكيات الحيوانية غرابة وتطرفا، وأعقد – وأعجب – الممارسات التي تلجأ إليها الكائنات الحية في طلب الغذاء، والتزاوج، والحفاظ على النسل.

لهذا جاءت الحلقة الأولى بعنوان “تحديات الحياة” لتعرض هذه الفلسفة عبر أمثلة من مختلف أنحاء ممالك الكائنات الحية: فتبدأ الحلقة بلقطات تُسجل لأول مرة، لمجموعة من دلافين خليج فلوريدا نجحت – خلال رحلة كفاحها من أجل البقاء – في تعلم طريقة عجيبة للصيد: فهي تتعاون معا في السباحة في دوائر كبيرة حول تجمعات الأسماك، فتُهيّج حركات أذنابها الأفقية القوية ذرات الطين الراقدة في القاع، لتصنع حلقات طينية تُحدق بالأسماك وتخيفها، فتقفز خارج الماء هروبا منها، لتكون الدلافين – خارج الدوائر – في انتظار التقاط وجبة سهلة مشبعة.

ثم ينتقل بنا الفيلم إلى سهول كينيا، حيث نتعرف على “عصابة” من ثلاثة أشقاء من الفهود الصيادة التي تعلمت – هي أيضا – حيلة جديدة لصيد فرائس أكبر كثيرا من فرائسها المعتادة، فعادة ما يستهدف الفهد الصياد المنفرد غزالة صغيرة فيتسابقان سباقهما المميت الذي قد ينتهي بهلاكها أو بنجاتها لتحيا يوما آخر. لكن الأشقاء الثلاثة تعلموا أن التعاون قد يجني لهم ما يفوق طموحهم، ففي لقطة تُسجل لأول مرة أيضا – والسلسلة مليئة بلقطات كهذه – تستهدف العصابة نعامة بالغة! وهي مغامرة مميتة تتطلب جهدا فائقا وحذرا كبيرا، فقد تنتهي بركلة قاتلة من النعامة لأحد الفهود، وقاتلة للعصابة الصغيرة التي تحتاج جهود كل فرد فيها. لكن العصابة تربح رهانها – على الأقل هذه المرة – فتجني ثمار كفاحها الذكي من أجل غذاء أكثر وفرة.

لكن هذه المعارك الأزلية بين الصياد والفريسة ليست محسومة دائما، حتى مع تحالفات عصابات الصيادين ضد فريسة واحدة. فالكاميرا تذهب بنا حتى بحار القارة القطبية الجنوبية حيث ترقد الفقمات في أمان من الحيتان القاتلة فوق كتل الجليد العائمة كالقلاع، لكن فقمة وحيدة تعبر المياه المفتوحة غير منتبهة إلى سرب الحيتان القاتلة الذي انطلق خلفها، وبالتفوق الكاسح للحيتان لا تجد الفقمة سلاحا إلا الحيلة، فتلجأ إلى كتلة جليدية ضئيلة عائمة لتبدأ لعبة اختباء مع المطاردين، حيث تحاول إخفاء نفسها خلف هذه الكتلة، والدوران حولها كلما هاجمها حوت. وتستمر اللعبة حتى تزهد الحيتان في صيد هذه الفقمة المراوغة التي تربح جائزة اللعبة في النهاية: حياتها.

ولمراوغة الفرائس أمثلة أخرى أكثر إدهاشا، فعندما يكون الصياد هو سمك الشراع – وهو السبّاح الأسرع في العالم – تنعدم الفرص أمام الفريسة في السباحة هربا، خاصة في المياه المفتوحة حيث لا مكان يصلح للاختباء أو المراوغة، فالهروب مستحيل تقريبا إلا بالخروج من الماء نفسه والطيران في الهواء! وهو المشهد المذهل الذي تنقله لنا – بالحركة البطيئة – كاميرات فائقة الجودة والسرعة لتلك الأسماك العجيبة التي تستحق بكل جدارة اسم السمك الطيّار.

ومعارك الغذاء هذه ليست قاصرة على مملكة الحيوان، فللنبات وسائل دفاعية عديدة تحميه من الحيوان في معارك البقاء، وينقل لنا الفيلم مثالا من البرازيل، حيث تتميز ثمار النخيل بصلابة شديدة في قشرتها التي لا يستطيع أي حيوان تحطيمها بأسنانه. غير أن قرود الكابوشين البنية لديها طريقة فريدة لفتح هذه الثمار القاسية والوصول إلى لبها الطري الشهي: فهي تنتزع بأسنانها القشرة الخارجية الهشة، ثم تترك الثمرة تحت الشمس لأسبوع أو أكثر حتى تجف قشرتها الصلبة تماما، ثم تأخذها إلى “كسارة البندق”! نعم، فقرود الكابوشين تأخذ الثمار الجافة إلى مائدة حجرية صلبة، ثم تهوي عليها بحجر آخر أشد صلابة تمسكه بالكفّين معا، فتتحطم القشرة الجافة “بين المطرقة والسندان”! هذه التقنية البديعة تتطلب مهارة فائقة، وخبرة طويلة، فقد يمضي القرد الصغير ثماني سنوات من عمره في التدريب قبل أن يتقنها!

غير أن هناك نباتات لا تحتاج إلى أسلحة دفاع ضد الحيوان، لأنها – ببساطة – تبادره بالهجوم! فنبات خنّاق الذباب هو أحد أنواع النباتات التي تتمرد على الترتيب التقليدي لسلسلة الغذاء، فتجعل من الحيوان غذاء لها بدلا من أن تكون غذاء له. ويقترب بنا الفيلم من هذا النبات اللاحم وفخاخه التي تشبه فماً بفكّين مُزوَّدين بالأنياب، ينتظران أن تستجيب إحدى الذبابات إلى غواية رحيقهما المعسول، ليطبقان عليها بلا فكاك.

لكن الصراع من أجل الغذاء لا يمثل إلا حلقة في مسلسل كفاح الكائنات من أجل البقاء، فلا بد أن يأتي الوقت الذي تنادي فيه الغرائز بأداء أهم وظائف استمرار النوع: التزاوج. والتنافس على التزاوج قد يدفع الكائنات إلى القيام بأغرب الممارسات: فإلى أحراش ماليزيا تأخذنا الكاميرا لترصد السلوك العجيب الذي تلجأ إليه ذكور الذبابة مُسوّقة العينين لاجتذاب الإناث، فهي تمتص فقاعات الهواء ثم تدفع بها ببطء عبر رأسها إلى عينيها لتدفعها خارج الرأس على “سيقان” تحمل العينين متباعدتين على جانب الرأس، وكلما زادت المسافة بين عيني الذكر، اقتربت المسافات بينه وبين المُعجبات!

وقد يكون التنافس على التزاوج شديد العنف والشراسة، كما يعرض لنا الفيلم – بحركة بطيئة للغاية – تفاصيل القوة الغاشمة والعدائية المفرطة في صراع دامٍ بين اثنين من ذكور أفراس النهر في موسم الجفاف، لكنه قد يكون أحيانا فائق الرقة والعذوبة والجمال، كرقصة الغَزَل التي يشترك فيها ذكر وأنثى طائر الغطاس التي يستعدان لها بمحاكاة حركات بعضهما البعض، قبل أن تأخذهما حرارة اللقاء إلى ذروة الرقصة، فينطلقان متجاورَيْن ليجريان – حرفيا – فوق سطح الماء!

أما الكفاح من أجل الحفاظ على النسل فيبلغ أحيانا مبلغ التضحيات الأسطورية! فنشاهد أنثى أخطبوط الباسيفيك العملاق حاملةً بيضها المخصب، تدور بحثا عن عرين يصلح مهدا لأفراخها، وضريحا لها! فالأم – من أجل رعاية بيضها وحمايته – لا تغادر عرينها مطلقا حتى من أجل الغذاء، فتتضور جوعا حتى تهلك في هدوءِ مَن يدرك أنه يضحي بنفسه من أجل غاية أكبر، وأنبل.

وبعض التضحيات أشق حتى من الموت، كما في حالة أنثى ضفدع الفراولة السام التي نراها تراقب كارثة جفاف بركة الماء الصغيرة التي وضعت فيها صغارها، ثم تتحرك بسرعة – وبوحي عجيب – فتأخذ أحد الصغار وتحمله على ظهرها، وتقصد أحد الأشجار السامقة، فتبدأ رحلة تسلق ملحمية – لن نفهم مشقتها إلا إذا تخيلنا أمَّاً بشرية تتسلق ناطحة سحاب وهي تحمل صغيرها! – تصل في آخرها إلى بضع قطرات من الماء صانتها حكمة وعناية إلهية بين أوراق النبات لتكون مهدا للصغير. غير أن هذا الصغير هو واحد فقط من ستة أشقاء تعولهم الأم، وهذا يعني أنها ملزمة بتكرار رحلتها هذه خمس مرات أخرى! لكن وقت الراحة لم يحن بعد، فبرك المياه التي أودعت فيها الصغار ليس بها ما يصلح للغذاء، ولهذا لا تجد الأم سبيلا لتوفير الغذاء غير أن تذهب إلى كل صغير فتضع له في بركته بيضة غير مخصبة، ولأن بيضة واحدة لا تكفي، تضطر إلى الاستمرار في هذه الجولات حتى تكبر الصغار، وبهذا تكون الأم – التي لا يتعدى طولها السنتيمترين – قد قطعت في مجمل رحلاتها ما يزيد عن ثمانمائة متر!

وقصص رعاية الأبناء في الطيور لا تقل روعة، فالبطاريق مشهورة بتناوب الوالديْن على رعاية صغارهما وتوفير الغذاء، لكن هذه الرعاية والحماية لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، فلا بد أن يأتي الوقت الذي يقف فيه الصغار بأنفسهم في مواجهة تحديات الحياة، لهذا نرى – في ختام الحلقة – مشهد هذه المواجهة التي تفرضها الحياة على صغار البطاريق: فقد جاءت اللحظة التي ينبغي عليهم فيها توفير الغذاء لأنفسهم، فتتجه بهم غرائزهم إلى الشاطيء حيث يلقون بأنفسهم في المياه المتجمدة حتى قبل أن يتقنوا السباحة. هذه المياه التي تطفو عليها كتل الجليد التي تمثل عائقا منيعا دون الوصول إلى المياه المفتوحة حيث الغذاء. يتقدم أحد شجعان الصغار ليحاول شق طريقه عبر الجليد العائم، ويراقبه الآخرون وهو يتقدم بصعوبة بالغة، لكن مخلوقا آخر يراقب الصغير من الأعماق. فقمة النمر التي تنقض على الصغير العاجز وتمزقه أمام عيون رفاقه، الذين لن يترددوا في المغامرة بالتقدم وإلا هلكوا جوعا، ليصل المحظوظون منهم إلى فرص النجاة، بعد أن تعلموا جملة دروس جديدة من تحديات الحياة.

وتنتهي الحلقة الأولى ولا تنتهي قصص “الحياة”، فالسلسلة تحكي لنا مائة وثلاثين حكاية في عشر حلقات يبلغ طول الحلقة منها ساعة تقريبا، منها عشر دقائق في آخر كل حلقة تحت عنوان “الحياة في الموقع” تحكي لنا عن قصة تصوير إحدى قصص الحلقة.
عشر حلقات تتناول كل منها عجائب عالم من عوالم الكائنات: فبعد “تحديات الحياة” تتوالى حلقات “الزواحف والبرمائيات” و”الثدييات” و”الأسماك” و”الطيور” و”الحشرات” و”الصيادون والفرائس” و”مخلوقات الأعماق” و”النباتات” و”الرئيسيات”.
عشر حلقات استغرق صنعها مجهود أربع سنوات، منها سنة كاملة في الأبحاث، وثلاث سنين من التصوير في قارات العالم السبع بواقع ثلاثة آلاف يوم من التصوير بأحدث التقنيات وبكاميرات فائقة الجودة.
عشر حلقات تعاونت في إنتاجها مع “بي بي سي” ثلاث جهات منهم قناة “ديسكفري” الأمريكية، بتكلفة غير مسبوقة قيل إنها وصلت إلى العشرة ملايين جنيه استرليني، من أجل بلوغ أقصى إتقان ممكن: بداية بأبحاث شديدة الجدية مع علماء الطبيعة للخروج بأفضل وأعجب القصص المرشحة للتصوير، ومرورا بالموسيقى الساحرة التي عزفتها فرقة شكّلها خصيصا الملحن البريطاني الشهير جورج فينتون وسمّاها “فرقة الحياة”، وانتهاءً بإنتاج عشر حلقات من سلسلة “داخل الحياة” المخصصة للأطفال: حيث تم اختيار عشرة أطفال – في حدود الثامنة من العمر – لمصاحبة صناع الفيلم في عشر مهمات تصوير مختلفة، لينقلوا للأطفال تفاصيل هذه التجارب المدهشة.
عشر حلقات لا تكفي لوصفها عشرات المقالات، لهذا أنصحك بالبحث عنها ومشاهدتها، فإن مَن شاهدها قد شاهد الحياة.

أحمد الديب
06/08/2011





* كتلة خرسانية ترى البحر

1 06 2011

هذه المرة قررتُ أن أتغير فعلا. فالأحداث العامة الكبرى تـُغيِّر من شخصية الإنسان بلا شك. وإن لم يتغير الواحد منا بعد أحداث كهذه فمتى يفعل؟ أقول: هذه المرة قررتُ أن أتغير فعلا. وها أنا الآن أكسر مدار يومي الثابت فأخرج من مقر عملي لا إلى مقر إقامتي بل إلى البحر. منذ سنوات وأنا أحلم بأن تكون هذه التمشية فقرة دائمة في اليوم، فأنا أحب البحر. ليس كما يحبه الناس، فالكل يقول إنه يحب البحر، لكنني أحب البحر فعلا. فأنا أحب الجلوس أمامه والسباحة فيه وأحلم دائما بتـَمَلـُّك شقة كبيرة في طابق عالٍ ترى البحر مباشرة. بل أحبه إلى درجة أنني أتلذذ بأكل كل أنواع السمك تقريبا. لكن إن سألتـَني عن أكثر ما أحبه فيه أجبتكَ بلا تردد: أحب اتساعه الهائل ورحابته اللامحدودة. وأذكر أن أحدهم قال إن كلمة “بحر” هي مقلوب كلمة “رَحب”، وهي ملاحظة ذكية أعجبتني.

أقول: أحب البحر فعلا، لكنني رجل متزن وأعلم أن لكل شيء عيوبه، ومِن أكبر عيوب البحر ذلك الرذاذ الذي بدأ يستقر على زجاج نظـّارتي. ألا يستطيع البحر أن يدعني أتمشى بقربه دون أن يرشّ نظـّارتي ووجهي كله بتلك القــُطـَيْرات المالحة التي لا يستطيع المرء إزالتها تماما إلا بالغسل؟!

لكن، مهلا! ها هو العيب الأكبر! فأنا الآن أرى بوضوح – رغم أنني لم أغسل النظـّارة، فحتى غسلها عبث مع توافـُد الرذاذ بلا انقطاع – شاباً وفتاة يجلسان في تقارب مُريب على إحدى تلك الكـُتـَل الخرسانية الضخمة التي وُضِعَتْ في الأصل لردّ أمواج البحر، فصارت – فيما يبدو – ملاذا لأفواج العُشـَّاق! أتعرف؟ إن أكبر المشاكل التي تواجه قرارك بتغيير نفسك هي أن الناس لا تتغير معك! ماذا ينتظر هؤلاء حتى يُدركوا خواء عقولهم ووضاعة سلوكهم؟ يبدو أن تلك الأحداث الكبيرة لا تـُغيِّر صغار الناس.

لكنني قلت إنني سوف أتغير. وأول هذا التغيير أن أكون أكثر إيجابية في تغيير الآخرين. أتلكـّأ في مشيتي لأحدجهما – لعلهما يخجلان قليلا – بنظرة ساخطة فلا يشعران. أظن أنهما لم ينتبها لوجودي، بل لوجود أي شيء سواهما، لأنه يقترب منها أكثر – كأنما ليغيظني فقط – ليحيط خصرها بذراعه. أتوقف خلفهما تماما وأتنحنح بصوت مسموع لكنهما يظلان في غيابهما التام عن العالم، بل أراه يميل بجسده كله إليها كأنه يهمّ باحتضانها. أشعر بالحرارة تسري في عروقي وأنا أراه يحتضنها بالفعل. هل وصل الناس إلى هذه الدرجة من الانحطاط؟ لكنهما لا يندمجان في العناق، بل أراه يحاول – دون أن يتخلى عن احتضانها – أن يساعدها لتنهض واقفة، بينما لا تزال هي عاقدةً ذراعيها حول عنقه باستماتة عجيبة كأنها ستسقط في هاويةٍ ما إذا تخاذلـَتْ لحظةً في تشبثها هذا! لحظات تمُرُّ يُخيَّل فيها إليَّ أنَّ كل عضلة في جسديهما ترتعش في انقباض، رغم انبساط ملامح وجهيهما. لحظات قبل أن يقوما واقفـَيْن، ثم ينحني هو – ويُمناه مُحيطة بخصرها بإحكام – حتى تصل أنامل يُسراه إلى موضع قدميها كأنه يريد أن يلتقط شيئا قد نسياه هناك.

موجة عارمة تلطم – بلا سابق إنذار – وجه الصخرة التي يقفان عليها بالذات. يتداخل صوت انهمار المياه مع صهيل ضحكهما الوحشيّ. يضحكان وهو يُثـَبِّت تلك “العُكـّازة” المعدنية تحت ذراعها الأيمن. يضحكان وقد ابتلـّتْ ملابسهما تماما حتى التفَّ ثوبها محتضنا ساقها اليسرى الوحيدة. يضحكان ويتركاني لشظايا الموجة تتكاثف فوق زجاج نظـّارتي الذي أمسى مُعتما بالكامل. صرتُ لا أراهما، لا أرى البحر، لا أرى شيئا.

# # #

أحمد الديب

18/05/2011 – 01/06/2011

إلـَى مَن صِرتُ لا أرَى البَحرَ، ولا أرَى شيئاً، إلا في حـُضورهَا.





2010 in review

2 01 2011

The stats helper monkeys at WordPress.com mulled over how this blog did in 2010, and here’s a high level summary of its overall blog health:

Healthy blog!

The Blog-Health-o-Meter™ reads Wow.

Crunchy numbers

Featured image

A helper monkey made this abstract painting, inspired by your stats.

A Boeing 747-400 passenger jet can hold 416 passengers. This blog was viewed about 7,200 times in 2010. That’s about 17 full 747s.

In 2010, there were 5 new posts, growing the total archive of this blog to 64 posts.

The busiest day of the year was March 3rd with 547 views. The most popular post that day was * سارح.

Where did they come from?

The top referring sites in 2010 were networkedblogs.com, facebook.com, goodreads.com, apps.facebook.com, and fen-noss.blogspot.com.

Some visitors came searching, mostly for فراشات, فراشات لامعة, الفراشات, احمد الديب, and قصص صغيرة.

Attractions in 2010

These are the posts and pages that got the most views in 2010.

1

* سارح March 2010
12 comments and 1 Like on WordPress.com,

2

* روحان January 2010
6 comments

3

* سلام January 2010
16 comments and 1 Like on WordPress.com,

4

* حَـبَّـة January 2010
10 comments and 1 Like on WordPress.com,

5

* In English, En Français, En Español January 2010
1 comment





* سارح

3 03 2010

أسير متجاوزا الميدان الكبير ومصابيحه الكثيرة المتناثرة ، التي تبعث تلك الإضاءة الصفراء الصناعية. أفكر في ليل المُدُن ، كيف سيبدو بعد انقراض تلك المصابيح يوما ما؟ هل ستنشر المصابيح البديلة ضوءا أبيض يحاكي نور النهار؟ أم ستكون للإضاءة المستقبلية صبغة زرقاء ، معدنية؟

مصبوغا بتلك الصُفرة يقف الفتى الآتي من قريته ليكون عسكري المرور. هل رأيته من قبل؟ أم أنهم يتشابهون جميعا بأجسامهم النحيلة ، ووجوههم المُعتصَرة ، وشواربهم التي تخجل من الإعلان عن وجودها بوضوح؟

بائع الفول الذي يمشي هناك يشبههم أيضا. يحمل بشِماله أكياس الفول الصغيرة ، ويرفع بيمينه الجرس الكبير الذي لا يحركه سوى ارتجافات جسد حامله. لِمَ لا يهز جرسه؟ خاصة وأنه لا يرفع صوته بالنداء كالمعتاد. كيف سيدرك الناس مروره؟

توقفت قليلا لأبحث في جيبي ، فوجدته يتجاوزني ويلقي عليّ السلام بصوت خفيض ، لا يتوقف.

أنادي عليه: “انتظر يا عم! أين تذهب؟ أعطني بجنيهين.”

تنبسط شفتاه دون عينيه ، ويمد يده بالفول: ـ “لا تؤاخذني يا بيه. الضابط أوقفنا ، أخذ أخي لأنه اشتبه به.”

ـ “لماذا؟” أسأله وأنا أبطيء في سيري لنسير كتفا بكتف ، كصديقين.

ـ “لا أعرف يا بيه. أخي هذا يخاف عندما يرى عَرَبَة إزالة. فما بالك بضابط بنجمتين؟ نحن أصلا لا نَسرَح هنا. سَرحَتنا بعد شارعين. أنا قلت أدخل هنا لأني خفت.”

ـ “لا تخف ، سيترك أخاك.” وأضيف والغضب ينشر شجاعة ما في دمي: “أنا أسكن آخر الشارع. عندما يحدث لكما شيء كهذا اصعد وأخبرني ، أنا أعرف كيف أتصرف مع هؤلاء.”

يُشرق وجهه ، كأنما رأى أخاه قد عاد بالفعل ، ويتمتم بكلام لا أسمعه. أُلقِي عليه السلام ، وأمضي في طريقي أفكر فيما وعدته به. هل سأستطيع حمايته فعلا إن لجأ إليّ؟ ليتني أعرف حقا.

أقترب من مدخل البيت ، أتوقف قليلا لأبحث في جيبي. تخرج يدي بالمفاتيح التي أحدثت رنينا خافتا ، غطى عليه تماما رنين الجرس الكبير في يد البائع ، ونداؤه العالي الذي انطلق يمزق ظلام الشارع الخالي تماما من المصابيح ذات الإضاءة الصفراء الصناعية.

# # #

أحمد الديب

3-3-2010





* روحان

29 01 2010

هذه الأبيات ارتجلها أستاذي ورفيق روحي الإمام أحمد سعد ، تعليقا على إحدى صوري على فيسبوك:

“أتراك أتعبك السفر أم أن أمرا قد حضر؟
ألقاك في قلب الدروب بلا حكيم معتبر
أتراك تهت عن الطريق عن الرفيق عن القمر؟

أتراك أنهكك العناء؟ تراك أسكتك الضجر؟
أتراك تحمل من عطاء ابن العطاء وتحتضر؟”

فكان ردي:

“سيظل يتعبنا السفر وتصيبنا شتّى الفِكَر
يأتي إلينا المبتدأ لكن يخادعنا الخبر
هذا – لعمرك – حالنا
فالدرب للساعي قَدَر
وقد رُزقتُ بحبكم
فما سواه يُنتَظَر؟
وكيف أشقى بينكم حتى إذا طال السفر؟”

أما تلك الأبيات فكانت عتابا في غاية الرقة! قال فيها الإمام:

“لعل الحِبَّ مشغولُ ، وبالأعمال موصولُ
فلا بأسٌ عليكَ اليومَ إن العذر مقبولُ
ولكن كنتَ لي هادٍ ، وفي الخيرات مأمولُ
وكنتَ لنا كفاعِلِه ، فصِرتَ اليومَ مفعولُ!”

وكان اعتذاري:

“لعل الحِبَّ يلقاني بقلبٍ غيرِ غضبانِ
ولا عذرٌ لديَّ اليوم إلا الجهل ألهاني

وقد كنتم لنا كالنور يهدي كل حيرانِ

فَجُد بالعفو يا نورا تَمَثَّلَ شكل إنسانِ”

وقد كتب الإمام – ارتجالا – أكثر من تعليق ، على أكثر من صورة.. أذكر منها تعليقا على صورة كنت مرتديا فيها عمامة:

“أهل العمائم هم ذوو الأرحام * ذو الفضل في الأحوال ذو الإكرامِ
هم عتره الهادي البشير محمد * تبقي لديهم سنة الإعلامِ

نشرت لهم في كف عز أعلم * وعلي رؤسهم كشم تهام
منهم رؤس بالسواد توشحت * وبياض كفهم على الأقوامِ”

وقال أيضا:

“عليك السهد باد والسهاد * دليل محبة وبه الودادُ
ومسبحة تحيط القلب حتى * يتيه بذكرهم والذكر زادُ
فيا من بالمحبة فزت منهم * بحضرتهم تذّكر إن أرادوا

عبيدا واقفا بالباب يبكي * ومضنى القلب أتعبه البعادُ

وقل هذا الفقير رفيق قوم * أنلتم حبكم.. فعليه سادوا”

وقال أيضا:

“أنت مسكنك الفؤاد.. كيف يرديك البعاد؟
أنت تسكن أضلعي فيزيد في جسدي السهاد

أنت مهبط أدمعي.. أنت السماح مع العناد

أنت لفحة زفرة خرجت وعادت بارتعاد

أنت نفحة فكرة لمعت فأذهبت الرقاد

أنت زادي في الدُّنَا.. أترى أعيش بغير زاد؟”

وقال أيضا:

“يا صفيي في ليالي النور يا سلوى جروحي
يا قسيمي في كفاح النفس.. أنت سفين نوحِ
هل تراني أعبر الطوفان وحدي ، دون ولدي؟
دونما فلذة كبدي؟
أنت هذا..

هل تراني أقطع الدنيا وحيدا؟

هل تراني أعزف اليوم لنفسي؟

هل تراني أسمع السمار ألوان حديثي ، ثم أمشي ، دون أن أترك بعدي ألف راوٍ؟
كي يحيلوا كل أيامي حديثا.. يسعدون به الجماعة؟
أنت هذا..”

ـ ـ ـ ـ ـ





* حَـبَّـة

21 01 2010

عيون الأطفال لا تضحك تحت الأسقف. هكذا أفكر وأنا أجول بينهم في فناء المدرسة. أتنفس صخبهم. عصافير لا تتوقف لحظة عن الرفرفة والشقشقة. يجرون أمامي في كل اتجاه وهم ينثرون ضحكاتهم التي تقع على الرمل ، فيتحول تدريجيا من لون الرماد إلى لون الذهب. أين كانت الشمس قبل أن يهبطوا للفناء للاستراحة؟ أتلك استراحة؟ استراحة من أي شيء؟

حبة لقاح ذات أجنحة بيضاء تهبط وسط حبات الرمال. من أين جاءت؟ وكيف؟ ولماذا هبطت هنا؟

تتوقف البنت عن الجري أمامي بالضبط. تنظر في وجهي بابتسامة لها رائحة العسل ، وبعينين ضيقتهما اتقاءً للشمس. تسألني بلا تردد: “أنت تدرس لأختي؟”

أجيبها بسؤال آخر: “أختك في أي صف؟”

تتحرك قليلا إلى اليمين ، لتحتمي بظلي الممتد على الأرض. تبسط أمامي أصابع كفيها إلا اثنين. أخبرها وأنا أثني لها اصبعا ثالثا: “أدرس للصف السابع.”

تُحوِّل نظرها عن وجهي وتقول شاردة: “آتيك لما تكبر.”

هواء بارد يهب ، وهي تستدير لتواصل الجري ، لتتركني أتابع بنظري حبة اللقاح التي رفعها الهواء من فوق الأرض ، لتطير متجاوزة سور المدرسة المنخفض.

# # #

أحمد الديب

21-1-2010





* In English, En Français, En Español

19 01 2010

The Butterflies

Long ago, butterflies were not visible to everybody, but one young boy could see them clearly most of the time. Even when he could not see the butterfly, he could feel the flapping of its colorful wings in his young heart. He would speak to the people around him about it, but they would pay no attention to him as none of them were able to see the butterflies and did not believe him.

One night, he dreamed of the butterflies flying high up to the giant white moon centered in the black sky. To his surprise, that day, a butterfly approached him shining in hundreds of colours and called him by name.

She said to him that she knew he could see her because she realized his eyes were following her, and that no one can see butterflies except for those with a pure and tender heart.

The boy asked the butterfly why wouldn’t she appear to all people so that they might see her beauty. Perhaps that would make their hearts tender.

She placed a light kiss on his finger and asked “Do you remember the feeling of your heart the first time you saw a butterfly?”. Then she flapped her wings two times and glided away the way butterflies love to.

- – - – - – - – - -

Yellow

Once upon a time, in an apple orchard, the color yellow stopped to rest. He contemplated the ripe fruit on the trees and thought, “What an attractive red color, but I know that I’m not red and I never will be.”

He then looked a the huge trees, their leaves rustling in the breeze and thought, “This green color is extremely comfortable, but green is not me. I know that completely.”

He observed the sky, which met the ground at the horizon, and thought, “It’s blueness is clear and gripping, but I know that he does not resemble me in any way.”

Preoccupied now that he was not red, nor green, nor blue, the yellow wondered where his long journey would finish. He kept thinking until he felt sleepy.

While he was dozing, he saw the big sun smiling down on him. The sun pointed to a field with millions of small green spikes of grain saying, “Today your journey ends. The spikes of grain need you to help them finish their journey too. You have known always that you are the yellow. Now you can rest assured.”

The yellow woke up to find the breeze holding bits of him tenderly to the spikes of grain, which were colored now by him as he passed above them. When the last spike became golden yellow, he closed his eyes and left himself to the air, which drew him upward.

Now, if you listen carefully, you can hear the grains of wheat blowing in the breeze whisper “Yel.. low.. Yel.. low”.

- – - – - – - – - -

Les papillons

Aux temps anciens , les papillons n’étaient pas visibles à tous les hommes , mais il les voyait clairement la plupart du temps ; et au moment où les papillons n’ apparaissent pas , il pouvait sentir leur papillonnage d’ailes colorées à travers son petit coeur. Il parle d’eux toute la journée à tous ceux qui sont autour de lui , mais ceux-ci ne s’intéressent pas à ses paroles , car personne d’eux ne possèdent le talent de voir les papillons . La nuit , il rêvait des papillons qui volent haut jusqu’au Blanc géant lune qui se situe au centre du ciel noir . Surpris énormément ce jour où un papillon s’est approché de lui brillant de millier de couleurs et appelle son nom . Ce papillon lui a dit : ” je sais que tu peux me voir car je vois tes yeux qui me suivent partout ” , et que personne ne peut voir les papillons sauf ceux qui avaient un coeur tendre . Il lui a demandé : ” vous êtes vraiment beaux ; pourquoi vous n’apparaissez pas à tout le monde pour qu’ils voient votre beauté ? A ce moment là leurs coeurs deviendront certainement minces” . Le papillon a embrassé son doigt et lui a demandé : ” Te souviens-tu de ton cœur quand tu as vu le premier papillon ? ” . Il a papillonné ses ailes deux fois et a volé loin de la manière dont les papillons aiment voler.

- – - – - – - – - -

Jaune

Au jardin des pommes , le jaune s’est arrêté finalement demandant quelque repos . Contemplant les fruits mûris sur les arbres , il a pensé :
Comme c’est attirante leur couleur rouge ! mais je connais que je ne suis pas rouge et je ne le sera jamais . Il a regardé les arbres géants avec ses feuilles chassées par le vent et il a pensé : La couleur vert est très
confortable ; mais je ne suis pas vert ; je le sais très bien . Il a observé le ciel qui s’est réuni à la terre à l’horizon et il a pensé : Sa couleur bleue est pure , captivante , mais je connais qu’il ne me ressemble du tout .
Il a pensé – affligé – qu’il n’est pas rouge ou vert, ou bleu .
Or , il a pensé qu’il n’a pas encore connu à quel point se terminera son long voyage . Il a resté penser jusqu’au sommeil . Durant son court sommeil , il a vu le grand soleil jaune qui sourit à lui en indiquant une terre étendue plein des millions d’épis de petit blé verts .
Le soleil dit : Aujourd’hui , ton voyage se termine ; les épis de blé ont besoin de toi pour terminer leur voyage aussi . Tu connaissais toujours que tu es le jaune ; et aujourd’hui tu t’assures . Quand le jaune s’est réveillé , il a trouvé le vent le transporte doucement aux épis de blé qui se vêtaient de son couleur au moment ou` il passe au dessus d’eux .
Quand le dernier épi est devenu jaune comme l’or , il a fermé ses yeux en souriant et il s’est laissé au vent qui a changé sa direction vers le haut .
Jusqu’ aujourd’hui , celui qui écoute attentivement les épis de blé jaunes prétend qu’ils se balancent à l’effet des souffles du vent en chuchotant : jau … ne … jau … ne

- – - – - – - – - -

L’arbre

Ce matin-là , le vieil arbre s’est réveillé pour trouver un jasmin blanc qui a éclos . Une rose rouge qui avait éclos il y a deux jours a dit :
Quel naïf jasmin ! Souriant avec un optimisme de celui qui ne connait rien de cette vie ! Le jasmin a répondu : Pourquoi ne pas sourire?
Le beau monde m’attend , et ce grand soleil a éclairé pour me souhaiter la bienvenue . La rose a demandé : Pourquoi s’intéresse le soleil de toi ? Tu n’as aucun privilège . Même le lever du soleil n’est pas spécial , il se répète chaque jour ! Le jasmin a répondu : Mais je suis très spécial . Tu ne vois pas que je suis plus blanc que les nuages éloignés dans le ciel ?
La rose a dit : Si j’étais instruit , j’avais connu que ma couleur rouge est la plus belle couleur ; et que les roses sont certainement plus belles que les jasmins ! Le vieil arbre a suivi leur long débat qui a duré jusqu’à l’apparition du croissant dans le ciel . Comme d’habitude, l’arbre a regardé le croissant dans un long silence en attendant qu’il commence à lui parler. Il était certain que le croissant le regarde spécialement .
Après des jours , l’arbre était à sa place regardant la pleine lune qui brille et fait briller toute les objets avec lui . L’arbre n’a jamais attendu qu’elle lui parle car elle a semblé longtemps préoccuper de colorier le monde par sa couleur argentée . Il a pensé que la lune est préoccupée au point qu’elle ne s’intéresse pas au moment ou` l’arbre ne soit pas à son endroit habituel. L’arbre – comme s’il se souvenait de quelque chose – regarde à la terre ou` s’étendent des petites feuilles marrons flétris .
Maintenant , il ne pouvait pas identifier le jasmin de la rouge rose.

- – - – - – - – - -

Fils du forgeron

Au village des forgerons , le garçon est né.
Le père de ce garçon était un des fabricants des
épées les plus qualifiés au village . Il lui a dis plusieurs fois que les fabricants des épées sont les plus riches des forgerons ; puisque les gens pensent que rien mérite leur argent plus qu’une épée bien fabriquée avec une haute habileté. Mais, un jour le garçon a dit à son père qu’il ne veut pas fabriquer des épées.
Le père a répondu : c’est étrange! Les gens ont toujours besoin d’épées pour leurs combats permanents. Même à leurs périodes intermittentes de paix, ils achètent des épées pour se préparer à une bataille qui pourrait commencer à tout moment. Mais peut être tu pouvais ne pas être habile suffisamment pour fabriquer une épée. Pourquoi ne pas essayer l’industrie d’ustensile?
En effet , les gens la recherchent fortement ces jours-ci. Ils ne se s’intéressent même pas à la qualité des ustensiles comme leur intéret à ce qui va en être cuit.
Le garçon a dit qu’il ne voulait pas passer sa vie entre les ustensiles.
Le père a répondu: Tu n’a certainement aucune idée de ce qui est le mieux pour toi! Permette-moi alors à t’envoyer à mon ami le serrurier pour qu’il t’enseigne. En fait, le besoin des gens à acquérir les verrous a augmenté. Si tu maitrise la fabrication des verrous , tu recevras des clients riches et puissants. Le garçon a dit: mais je ne le veux pas aussi . En fait, mon père, je ne veux pas être un forgeron. Le père, surpris, lui a demandé : Alors , qu’est ce que tu veux être et tu étais né au village des forgerons ?! Le garçon lui a répondu : Je ne sais pas maintenant , je ne l’ai pas encore découvert. Mais quand je ferme mes yeux , je vois un grand arbre avec des fleurs blanches!
***
Dans le loin oasis , le berger a murmuré à ses brebis: Il ya plusieurs années, l’oasis faisait partie du vaste désert. C’était avant que le bon homme vienne. Les grands-parents disent que toutes
ces sources d’eau ont été explosées du même endroit ou’ il est mouru. Le berger a ensuite noté au petit mont au centre des sources d’eau , ou’ s’installe le grand arbre aux fleurs blanches.

- – - – - – - – - -

Las mariposas

Antaño, no todo el mundo podía ver las mariposas. No obstante, él las veía con claridad casi siempre. Cuando éstas no aparecían, podía sentir el aleteo de sus coloridas alas en su pequeño corazón. Hablaba de ellas durante todo el día con la gente que le rodeaba, pero nadie le prestaba mucha atención a sus palabras, pues, nadie de ellos tenía ese talento para ver las mariposas. Por la noche, soñaba con ellas mientras volaban en lo alto dirigiéndose hacia la gigantesca luna blanca que se puso en el medio del oscuro cielo.

Se asombró mucho aquel día en que una colorida mariposa se acercó a él llamándole por su nombre. Le dijo que sabía que él podía verla porque veía cómo sus ojos la seguían allá por donde fuera. Le dijo que sólo podía ver las mariposas quien tuviera un corazón sensible. Entonces, él se manifestó, preguntándole: ¿vosotras sois bellas de verdad, pues, por qué no os aparecéis ante toda la gente para que vea vuestra belleza? Así que sus corazones van a ser sensibles efectivamente. Selló un beso a su dedo y le preguntó: “¿recuerdas cómo era tu corazón la primera vez que te ví?”. Movió sus alas dos veces, luego; voló alejándose de esa manera en la que a las mariposas les gusta volar.

- – - – - – - – - -

Amarillo

Junto al manzanar, el Amarillo se paró finalmente para tomar un descanso. Contempló los frutos maduros que pendían de los árboles, y pensó: «¡Qué atractivo es su color rojo!. Pero me doy cuenta de que no soy rojo y nunca lo seré». Miró los gigantescos árboles y sus hojas que se movían al viento, y pensó: «El color verde es muy relajante. Pero no soy el Verde. Lo sé perfectamente». Observó el cielo que se encontraba con la tierra en el horizonte, y pensó: «¡Qué claro y fascinante es su azul!. Pero veo que no se parece en nada a mí». Meditaba angustiado que no era rojo, verde ni azul. Meditaba que todavía no sabía dónde terminaría su largo viaje. Pensó hasta que le venció el sueño. En su sueñecito breve, vio al Sol sonriéndole e indicando una extensión con millones de pequeñas y verdes espigas de trigo. El Sol le dijo: «Tu viaje termina hoy. Las espigas de trigo te necesitan para, a su vez, acabar su viaje. Siempre has sabido que eres el Amarillo. Hoy puedes estar seguro de esto». Cuando se despertó el Amarillo, encontró el viento llevándole suavemente a donde estaban las espigas, que se teñían de su color, justo al pasar por encima de ellas. Y cuando la última espiga se volvió amarilla como el oro, el Amarillo cerró los ojos, sonriente, y se dejó llevar por el aire, que cambió de dirección, hacia arriba.

* * *

Hasta ahora, quien presta mucha atención, cree que las amarillas espigas de trigo se inclinan por las caricias de la brisa, susurrando: «¡a-ma-ri-llo… a-ma-ri-llo!».

- – - – - – - – - -

El árbol

Esa mañana, se levantó el viejo árbol y encontró un jazmín blanco que ya había florecido. Una rosa roja que ya había florecido también dos días antes, dijo: ¡Qué candoroso es este jazmín! ¡Sonríe con el optimismo de quien no sabe nada de esta vida!

El jazmín respondió: ¿Y por qué no sonrío? … El bello mundo me espera y este sol grande amaneció para darme la bienvenida.

¿Y por qué el sol se interesa por ti?, preguntó la rosa, diciendo: no tienes nada que te distingue, e incluso el amanecer no es un privilegio ya que se repite cada día.

Argumentó el jazmín: No, soy muy privilegiado. ¿No ves que soy más blanco que estas nubes lejanas en el cielo?

Contestó la rosa: si fueras culto, sabrías que mi color rojo es el más maravilloso, y que las rosas, sin ninguna duda, son más hermosas que los jazmines.

El viejo árbol seguía su larga discusión que duró hasta que la media luna apareció en el cielo. El árbol la miraba, como solía, en un largo silencio esperando que empezara la conversación con él, porque estaba seguro de que lo miraba a él en concreto.

Unos días después, el árbol se quedaba en su lugar mirando a la luna completa que fulguraba y hacía que todo brillara.

El árbol no esperaba nunca que la luna lo hablaría, ya que parecía estar muy ocupada en pintar todo el mundo con su color plateado.

Creía que estaba tan ocupada que no le interesaría mucho aquel día en que no volvería a verlo en su lugar habitual.

Y como si recordara alguna cosa, el árbol miraba hacia el suelo donde yacieron unas marchitas hojitas marrones. Ahora, ya no podía determinar cuáles eran jazmines blancos y cuáles rosas rojas.

- – - – - – - – - -

Las manecillas del reloj

En la habitación del niño, vivían las manecillas negras dentro del viejo reloj.

El horario era la mayor; quizá por eso se creía que era la aguja más sensata. Repetía siempre: «La gente nos compara con escorpiones por mi culpa, ya que me muevo lentamente de una manera que sugiere al despistado que estoy parada. Y cuando se le pasa el tiempo, él siente, demasiado tarde, mi picadura mortal que se parece a la del verdadero escorpión. Además, soy la manecilla más importante para el niño porque determino el tiempo en que despierta y duerme.»

En cambio, el segundero activo, que bien sabe mostrar su humildad, insistía rápidamente: «¡Tic! ¡Tac!», diciendo: «Creo que lo correcto no es preocuparnos por preguntar sobre la aguja más importante, sino saber que sin mi actividad continua, las otras manecillas pararían. Además, el niño mira el reloj sólo para observar mi movimiento, puesto que las otras agujas le parecen aburridas porque no se mueven. ¡Tic! ¡Tac!»

El minutero no era de aquellos que tienen mucha confianza en sí mismos, pero cada vez que se agravaba la discusión entre las manecillas, repetía un himno que él mismo compuso: «No soy grande, ni pequeño. No soy largo, ni corto». Una vez, pensó en añadir más palabras al himno para que demostraran su precisión y regularidad. Pero se acordó de que todas las manecillas del reloj son precisas y regulares, así que cambió de opinión. Estaba verdaderamente convencido de que era la aguja del reloj menos importante y de que el reloj podría seguir su preciso trabajo aunque él no estuviera. Nunca confesaba sus reflexiones a nadie, sino que se contentaba con decir que era él quien enseñaba al niño a ser moderado en todo.

El debate continuó entre las manecillas del reloj durante mucho tiempo hasta que terminó aquel día en que el reloj se estropeó por una causa que las agujas desconocían. Ese mismo día también, los padres del niño habían decidido que ya había llegado el momento de cambiar ese viejo reloj.

Al día siguiente, el niño vio el nuevo reloj que no tenía manecillas, sino sólo una pequeña pantalla que mostraba números más pequeños. No paró durante mucho tiempo ante el nuevo reloj. Se fue, como de costumbre, hacia la abierta ventana detrás de la cual aparecía el gran mundo cuyos colores y sonidos cambiaban a cada momento.

- – - – - – - – - -

El hijo del herrero

En la aldea de los herreros, nació el muchacho.

Su padre era uno de los forjadores de espadas más hábiles de la aldea. Le dijo el padre muchas veces que los herreros más ricos eran los forjadores de espadas porque la gente creía que nada merecía su dinero más que una afilada espada brillante hecha con mucha habilidad.

Pero, un día, el muchacho expresó a su padre que no quería forjar espadas. El padre le respondió: ¡Qué raro! Pues, la gente siempre necesita espadas para usarlas en sus batallas que no acaban. Incluso en sus interrumpidos períodos de paz, la gente compra las buenas espadas para prepararse para una batalla que pueda empezar en cualquier momento. Pero, quizá no seas bastante hábil para forjar una espada. ¿Por qué no pruebas a fabricar utensilios? Hoy en día, la gente está muy interesada en comprarlos. Además, no le interesa su calidad, sino lo que va a cocinar dentro.

Contestó el muchacho que tampoco quería pasarse la vida entre utensilios.

El padre replicó: ¡Está claro que no sabes bien qué es lo mejor para ti! Pues, déjame enviarte a un amigo que elabora cerrojos para que aprendas de él. La gente necesita cada vez más tener cerrojos y si te perfeccionas para forjarlos, tus clientes serán de los ricos poderosos.

El muchacho dijo: Pero, tampoco quiero eso. Padre, verdaderamente no quiero ser herrero.

Le preguntó el padre muy asombrado: Pues, ¡¿qué quieres ser después de haber nacido en la aldea de los herreros?!

El muchacho le respondió: No lo sé ahora, todavía no lo he descubierto. Pero cada vez que cierro los ojos, veo un gigantesco árbol de flores blancas.

* * *

En el lejano oasis, susurró el pastor a sus cabras: Desde hacía muchos años, este oasis había formado parte del vasto desierto.

Ésto era antes de la llegada del buen hombre. Los antepasados decían que todos los pozos emanaron del mismo lugar donde murió.

Luego, señaló con la mano esa pequeña colina que estaba en el centro de los pozos, donde estaba el gigantesco árbol de flores blancas.

- – - – - – - – - -

La ardilla

Ninguno de los habitantes de la selva había acusado de loca a la ardilla antes de ese día, en que ella pretendió que había visto a la mariposa por primera vez.

La ardilla jamás había visto una mariposa, quizás porque las mariposas nunca vivían en esa selva donde sólo y siempre había muchas hormigas, cucarachas, ranas y ratas. Cuando ésta vio a la mariposa aleteando hacia arriba entre los árboles, pensó que era mucho más bella de lo que estaba escrito en los libros. Señaló llamándola con la voz más alta que podía emitir una ardilla pequeña: «¡Mariposa!».

La mariposa no sabía exactamente por qué había ido a esa selva, pero escuchó la llamada de la ardilla a la que se acercó y contempló por mucho tiempo. Luego, le dijo en el idioma de las mariposas, que la ardilla entendió fácilmente: «Mírate… ¡Qué hermosa eres! Pero, ¿por qué estás aquí?».

La ardilla no respondió porque estaba fascinada por la belleza de la mariposa; además, no estaba segura de la respuesta a esa pregunta.

En cambio, la mariposa calló un poco y pensó: «¿Y por qué yo estoy aquí?». Después, sonrió a la ardilla y aleteó volando hacia arriba hasta que se alejó de sus ojos interrogantes.

* * *

Varios días pasaron y la ardilla pensaba en la mariposa y su pregunta. Su encuentro fue tan extraño que incluso creyó que sólo había sucedido en su imaginación.

Pero, una noche, vio lo que se parecía a un grupo completo de estrellas moviéndose juntas por el cielo. Unos momentos después, descubrió que eso no era más que los reflejos de la luz de la luna plateada sobre dos alas que batían en la oscuridad. Dijo, susurrando: «¡La mariposa!».

Cuando la mariposa se acercó, expresó muy angustiada: «¡La oscuridad! Se acerca a vuestra selva. No es como las sombras. Está viva, piensa, y no quiere nada más que crecer devorando más cosas de este mundo».

La ardilla la miró con miedo, ya que había visto algo así en su sueño muchas veces.

«Pero siempre hay cosas que se pueden hacer. Si os llega la oscuridad, y lo hará muy pronto, llevad antorchas, todos, y que cada uno expanda la luz en su lugar. Así, podéis pararla.», declaró la mariposa, esta vez sin sonreír. Únicamente miró a la ardilla a los ojos y dijo: «¡Tú!». Luego, voló alejándose deprisa.

* * *

Cuando llegó la oscuridad, la ardilla se aseguró de que no era como las sombras. Ese día, por la mañana, apareció la oscuridad en el horizonte, ocultando la luz del sol. Estaba acercándose, y cuanto más se acercaba, más ruidosos parecían los sonidos. Una temible mezcla de miles de gritos y golpes metálicos, que no se paraba.

La ardilla aceleró asustada a su madriguera donde encontró a la mariposa esperándola. Estaba muy agobiada, pero aleteó al ver a la ardilla y le dijo: «¡Ya ha llegado el momento! Yo sé que ya has avisado a los habitantes de la selva muchas veces. Te acusaron de loca. Dijeron que la oscuridad es tu pesadilla imaginaria y que soy producto de tu imaginación. Ahora intentan escapar a la selva vecina. Todavía no han entendido que la oscuridad los devorará ahora o poco después. La oscuridad ya ha vencido».

Se preguntó la ardilla con los claros ojos lagrimeando: «Entonces, ¿no podemos hacer nada ahora?».

La mariposa se asió de una linterna y lanzó otra a la ardilla, diciendo: «No, tenemos dos linternas y al más Grande. ¿Vienes conmigo?».

La ardilla se agarró a su linterna y pensó: «¡Por el más Grande!». Luego, se precipitó detrás de la mariposa donde estaba la oscuridad fuera de la madriguera.
- – - – - – - – - -

Estrella de mar

Dicen que las estrellas de mar olvidan todo si salen del mar. Pero la vieja estrella de mar conservaba su memoria. Recordaba esos días lejanos antes de encontrarse en este acuario cristalino. Aquellos días en que la llamaban por su nombre, no por el nombre de “Estrella”, que no lo soportaba.

Así la llamaban los habitantes del acuario. Primero, la denominaron “Estrella de mar”, pero descubrieron que era un nombre demasiado largo e incluso “el mar” ya no existía, por lo cual la nombraron “Estrella”. Además, algunos peces que habían nacido en el acuario, veían el nombre muy largo y aburrido; por eso la llamaban “Estre” a secas.

Odiaba todos esos nombres, pero, de todos modos ya no escuchaba su nombre repetido con frecuencia porque todos habían decidido que ella ya no era alegre ni interesante desde que envejeció y su color se convirtió del luminoso naranja al tenebroso de las arenas. Además, tendía más al aislamiento en el único rincón del acuario, que carecía de las plásticas plantas de color verde oscuro.

El pez ángel dijo que la estrella de mar ya había perdido la habilidad de gozar la vida en el acuario porque ya no amaba a nadie, refiriéndose a que ya había dejado de contar sus relatos interesantes a los demás.

El pez gato expresó: «Ella no ha querido a nadie desde que llegó aquí. Lo fingía sólo para que nosotros la quisiéramos. ¡Es demasiado soberbia como para tener un amigo!».

El viejo negro pez decía: «¡Es su mala imaginación! ¡Le aconsejé muchas veces que fuera más realista! Me hablaba a menudo de ese lugar donde vivía antes. De su agua verde y azul cuya temperatura se cambiaba cada hora. De sus peces que se movían en grandes bandadas. De sus plantas gigantescas que no cabían en un acuario. De sus rocas que estaban llenas de vida como ella pretendía. ¡La pobre ya no paraba de soñar despierta! ¡Le recomendé muchas veces que intentara adaptarse a su vida aquí porque no vería el otro lugar nunca más, en caso de que realmente existiera, aunque no lo creo!».

El único que hablaba con la Estrella de mar, no de ella, era el pequeño hipocampo que nunca vio el mar durante lo poco que había vivido, pero creía sus cuentos y anhelaba vivir en este lugar.

Con el paso del tiempo, la Estrella de mar hablaba menos y su discurso era más breve y ambiguo. Mientras, el hipocampo la amaba más y quería escuchar sus palabras.

Un día, cuando el hipocampo vio a la Estrella de mar más silenciosa que de costumbre después de que, al parecer, su color naranja hubiera vuelto, entendió que, a su vez, ella había regresado a donde pertenecía.

*  *  *

Dicen que los hipocampos olvidan todo si pierden a algún ser querido. Pero el hipocampo, que era viejo, recordaba bien las últimas palabras de la Estrella de mar cuando le preguntó cuál era su verdadero nombre. Le respondió a su manera breve: «Mar».

- – - – -

Caminar

¿Acaso me muestro más escéptico de lo debido o la persona cuyos pasos siento se esfuerza efectivamente para alcanzarme …? Son pasos rápidos y estresados que me llevan a pensar que esta persona insiste en seguirme. Está claro que ella no está acostumbrada a caminar con la misma rapidez con que ando yo, porque si fuera así, sus pasos serían más tranquilos y regulares. Esa idea me tranquiliza un poco ya que quien tiene malas intenciones, camina siempre sigiliosamente y con precisión .

Ando claramente más rápido. Corro. Escucho el sonido de sus intentos que quieren alcanzarme y me han hecho reír. ¿Acaso es un niño que está jugando? Pero, ¡¿con esta insistencia y acecho juegan los niños?! Ando mucho más rápido, lo que aleja el sonido de los pasos un poco antes de que vuelva a acercarse. Escucho un jadeo discreto. Pienso en mirar atrás, pero una llamada me ordena que no lo haga. Me dice que las reglas del juego no permiten mirar atrás. ¿Acaso la situación se ha convertido en un juego?

De repente, tuerzo a la izquierda y vislumbro un fantasma más bajo y pequeño que yo, antes de que tuerza también. Siento más tranquilidad y ando un poco despacio para permitirle tomar un respiro. Se acerca más a mí. Ya casi siento su temperatura. Muestro una sonrisa, sabiendo que no la verá.

Llego a la boca de la calle donde está la casa, giro a la derecha, y espero. Me sigue. Me pregunto: «¡¿Cuándo terminará el juego?!».

Llego a la entrada de la casa y por fin se separan nuestros pasos. Digo a mi llamada imperativa que el juego ya se ha terminado y miro hacia atrás. Mientras ella sigue caminando, entreveo un lado de su cara, que parece más bella por su sonrisa, una sonrisa que sabía que yo vería.

- – - – - – - – - -

Agilidad

Los dedos ya están a punto de congelarse de frío. ¡Así, me pregunto la causa por la que quieren mucho al invierno! He estacionado el coche en un lugar próximo a la casa. Son tres minutos nada más. En cuanto salga del coche, me muero de frío. ¡Y esta lluvia! Creía que mi largo abrigo de cuero me protegería, pero ya estoy mojado. ¡¿Pues, por qué lo venden tan caro?! Pero, la verdad es que no he visto lluvias fuertes como éstas desde… No lo recuerdo, ya no puedo recordarlo.

Me acerco al edificio y por eso, le veo. Veo sus rasgos y le identifico a pesar del aguacero que cae sobre mis ojos y gafas. ¡Es ese vecino extraño nuestro! Nadie sabe lo que hace exactamente. Nadie sabe verdaderamente nada de él. Sólo que llega tarde… Siempre tarde. Y si se entiende la razón de llegar tarde en verano, ¿por qué tarda más en invierno? No creo que sea un hombre importante. Tampoco parece un empresario. Entonces, ¿qué le ocupa de este modo cada día? Nadie sabe ni habla.  Yo ni siquiera identifico la inflexión de su voz. Todos hemos decidido ignorarle. Le hemos considerado una de las plantas de sombra que decoran la entrada del edificio, a pesar de que no nos burlamos de ellas.

¡Espera! ¡Mira cómo anda! No es la primera vez que le veo caminar de esta manera. ¡Anda como si bailara! ¡Qué loco está! ¿Cree que esto refleja su romanticismo, por ejemplo? No espera que nadie le vea. Pues, ¿por qué? ¿Por qué camina de esta manera rara: un paso aquí … otro allá, lejos? Parece como si evitara manchas de agua que no existen, ya que la entrada está asfaltada por azulejos llanos de buena calidad. ¡Mira despacio la posición de sus pasos y salta! ¡Sólo me faltaba su locura en esta noche oscura! Espero lejos de la entrada hasta que él termine este absurdo espectáculo. Llega a la puerta, mete su llave, entra y la deja entornada. ¡Qué desgracia! ¿Deja la puerta así cada día? ¿A esta hora? ¿No me ha visto viniendo detrás de él? No sé. No creo que vea otra cosa que el suelo.

Camino hacia la puerta rápidamente. Escucho un sonido extraño debajo de los zapatos, como si fuera un huevo rompiéndose. Levanto los pies y miro. ¡Qué horror! He aplastado una de esas criaturas viscosas. Su caparazón ha resultado completamente destruido bajo los pesados zapatos resistentes al agua. Miro delante de los pies, para encontrar otra criatura, otra, y otra. La entrada del edificio está enteramente ocupada por estas criaturas. ¡Maldición! ¿Acaso ellas también celebran la lluvia? No importa. No dormiré hasta limpiar bien los zapatos.

- – - – -

Paz

La calle miserable que no quiero ni creo que nadie la quiera. Vengo porque un amigo reside aquí. No subo … Le espero delante del pedregoso muro pálido, como todo lo que me rodea. La calle parece como una nube de humo y polvo, que salió de la chimenea de una vieja fábrica. Ahora, mi piel se tiñe del color del único árbol, de ramas y hojas grises… de lo que queda de las hojas.

Sonidos remotos que provienen de un objeto metálico que está golpeando a otro regularmente. Delante del muro se lanzan los restos de vehículos destrozados: puertas y ventanas sin vidrio y una parte delantera de un carro que murió algún día al cruzar la calle. Intento escapar lejos con mis miradas, hasta el cielo pero lo encuentro del color del asfalto del camino, con su aroma, así que las miradas me vuelven sumisas.

Un fantasma se acerca lentamente, llevando alguna cosa a su espalda como si fuera una mochila gigantesca más larga que cubre su cabeza inclinada hacia el suelo… Parece que es uno de los basureros. Su estatura está curvada de tan pesada que es la carga. Lo que aparece de su cuerpo refleja que ya pasó los sesenta años o quizá los setenta.

Anda un poco más rápido cuando me vea. ¿Acaso se dirige hacia mí ? ¡Por Dios! No puedo soportar situaciones como ésta.

Vendría para parar delante de mí un poco con los ojos quejándose o es posible que extienda la mano para que le dé alguna limosna o le regañe. ¡ Dios mío, ayúdame para que no le regañe !

De hecho, se acerca a mí, está apresurando el paso. Procuro que nuestros ojos no se encuentren. Sus pasos no suenan. El primer sonido destruye el silencio y a mí también: “¡Que la paz sea contigo!” con una voz que hacía tiempo que no escuchaba … La voz fatigada y clara de mi abuela antes de su muerte. Con los ojos atónitos, miro a los suyos … Me asusta la claridad de su color azul dentro de un bosque de arrugas en su brillante cara.

Respondo al saludo en voz herida, mientras que ella pasa lentamente por delante de mí en dirección hacia el único árbol de ramas y hojas verdes.

- – - – - – - – - -

Grano de polen

Los ojos de los niños no ríen bajo los techos. Así lo pienso al recorrer entre ellos el patio de la escuela. Respiro su ruido. Son pájaros que no paran, ni un minuto, de aletear ni gorjear. Corren delante de mí en todas direcciones, saltando sus risas, que caen sobre la arena convirtiendo en oro su color ceniza. ¿Dónde estaba el sol antes de que bajaran al recreo en el patio? ¿Ése es un recreo? ¿Recreo de qué?

Un grano de polen con alas blancas desciende entre los granos de arena. ¿De dónde viene? ¿Cómo? ¿Y por qué ha bajado aquí?

La chica para de correr justo delante de mí. Me mira a la cara con una sonrisa de olor de miel y con ojos que entrecierra evitando los rayos del sol. Me pregunta sin vacilar: «¿Enseñas a mi hermana?».

Le respondo con otra pregunta: “¿En qué curso estudia tu hermana?”.

Se mueve un poco hacia la derecha para protegerse con mi sombra extendida sobre el suelo. Me muestra los dedos de las manos excepto dos. Le digo, escondiendo un tercer dedo: «Enseño al séptimo curso».

Aleja su mirada de mi cara, diciendo perdida: «Vendré cuando seas mayor».

Sopla un aire frío, mientras ella gira para continuar corriendo y volar pasando el bajo muro de la escuela, dejándome seguir con mi mirada a este grano de polen que el aire levantó del suelo.

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

Written by: Ahmad Eddeeb.
Translated to English by: Christal.
Translated to French by: Iman Aref.
Translated to Spanish by: Rehab Wahdan.





* سلام

6 01 2010

الشارع البائس الذي لا أحبه ولا أظن أحدا يحبه. آتي لأن صديقا يسكن هنا. لا أصعد ، أنتظره أمام السور الحجري الشاحب ككل شيء حولي. الشارع كأنه غيمة من دخان وغبار خرجت من مدخنة مصنع عجوز. حتى جلدي أنا يأخذ الآن نفس لون الشجرة الوحيدة ، رمادية الفروع والأوراق ، ما تبقى من الأوراق.


 

أصوات بعيدة لجسم معدني يضرب آخر بانتظام ، أمام السور ترتمي أشلاء السيارات الممزقة: أبواب-نوافذ فارقها زجاجها ، ونصف أمامي لسيارة ماتت يوما وهي تعبر الطريق. أحاول الهرب ببصري بعيدا ، إلى السماء ، أجدها بلون أسفلت الطريق ، ورائحته ، ينقلب إليَّ البصر خاسئا.


 

شبح يقترب ببطء شديد. يحمل شيئا فوق ظهره كحقيبة ظهر عملاقة تتطاول فوق رأسه المُطرِقة إلى الأرض ، أحد جامعي القمامة فيما يبدو. القامة منحنية من وطأة الحمل ، ما تبقى من جسده يشي بأنه تجاوز الستين ، ربما إلى السبعين. يسرع المشي قليلا إذ رآني. تراه يتجه نحوي؟ يا الله! لا أستطيع تحمل تلك المواقف. سيأتي ليقف أمامي قليلا ويشكو بعينيه ، وربما يبسط كفه حتى أمد يدي بالعطاء ، أو أنهره. يا رب جنّبني أن أنهره.


 

يقترب مني بالفعل ، لا يبطيء. أحاول اجتناب تقابل أعيننا. لا صوت لخطواته. الصوت الأول يحطّم الصمت ، ويحطّمني: “سلام عليكم” بصوت لم يطرق أذني مثله منذ وقت بعيد ، صوت جدتي المنهك الرائق قبيل استقبالها الموت. بعين ذاهلة أنظر في عينيها ، يروعني صفاء زرقتهما وسط غابة الخطوط في وجهها الناصع.


 

أرد السلام بصوت مذبوح ، وهي تتجاوزني ببطء إلى الشجرة الوحيدة ، خضراء الفروع والأوراق.


 

 

# # #


 

 

أحمد الديب

06-01-2010





* خِـفَّـة

10 12 2009

تكاد أصابعي تتجمد من البرودة ، فأتساءل عن السبب الذي يجعلهم يحبون الشتاء كل هذا الحب! أوقفت سيارتي قريبا من البيت ، ثلاث دقائق لا أكثر ، وها أنا أوشك على الموت بردا فور خروجي من السيارة. ثم هذا المطر! كنت أظن أن معطفي الجلدي الطويل سوف يحميني منه ، لكنني الآن مبتل تماما. لماذا يبيعونه بهذا الثمن إذن؟! لكن الحق يقال: لم أشهد أمطارا كهذه منذ ….. لا أذكر. لم أعد أذكر.

أقترب من البناية فأراه. برغم الشلال المنهمر على عيني وعويناتي أرى حدوده فأعرفه. جارنا الغريب هذا! لا أحد يعلم ماذا يعمل بالضبط. لا أحد يعلم عنه شيئا على وجه اليقين ، سوى عودته المتأخرة. دائما متأخرة. ولإن كان التأخر هكذا مفهوما في أيام الصيف ، فلماذا يتأخر أكثر في الشتاء؟ لست أظنه رجلا مهما ، ولا يبدو أبدا من أصحاب الأعمال. فما الذي يشغله هكذا كل يوم؟ لا يعرف أحد ، ولا يتكلم أحد ، أما هو فلا أعرف حتى نبرة صوته. قرر الجميع تجاهله. اعتبرناه نبتة من نباتات الظل التي نزين بها مدخل البناية. غير أننا لا نسخر من نباتات الظل.

مهلا ، انظر كيف يمشي! ليست هذه المرة الأولى التي أراه يمشي هكذا. كأنه يرقص! المجنون! هل يظن أن هذه رومانسية مثلا؟ هو لا يتوقع أن يراه أحد. فلماذا؟ لماذا يخطو بهذا الشكل العجيب: خطوة هنا.. خطوة هناك ، بعيدا. كأنه يتفادى بقعا من الماء لا وجود لها ، فالمدخل مرصوف ببلاط جيد ، مستوٍ. ينظر إلى موضع خطواته بتمهل ، ويقفز! ليس ينقصني جنونه في تلك الليلة السوداء! أنتظر بعيدا عن المدخل حتى ينتهي من عرضه السخيف هذا. يصل إلى الباب ، فيولج مفتاحه ويدخل ، ويترك الباب خلفه مواربا. يا للمصيبة! هل يترك الباب هكذا كل يوم؟ أفي هذه الساعة؟ أم تراه رآني قادما خلفه؟ لا أعرف. لست أظنه يرى غير الأرض.

أسير إلى الباب بسرعة. أسمع صوتا غريبا تحت حذائي. كأنها بيضة تتهشم. أرفع قدمي وأنظر. يا للبشاعة! لقد دهست واحدا من تلك المخلوقات اللزجة. تهشمت قوقعته تماما تحت حذائي الثقيل المقاوم للمياة. أنظر أمام قدمي فأجد مخلوقا آخر ، وآخر ، وآخر. مدخل البناية مزدحم تماما بها! اللعنة! هي أيضا تحتفل بالأمطار؟ لا يهم. لن أنام قبل أن أنظف الحذاء جيدا.

# # #

أحمد الديب

10-12-2009





* سَـيْـر

26 11 2009

هل أنا أشك أكثر من اللازم؟ أم أن صاحب هذه الخطوات يجتهد فعلا ليلحق بي؟ خطوات متسارعة متوترة يصر صاحبها على أن يظل خلفي تماما! من الواضح أنه لم يألف السير بالسرعة التي أسير أنا بها وإلا لصارت خطواته أهدأ ، وأكثر انتظاما. طمأنتني تلك الخاطرة ، قليلا. فالذي يضمر شرا يتحرك دائما بخفوت وإحكام.

أزيد من سرعتي بشكل واضح. أهرول. أستمع إلى صوت محاولاته – التي بدأت تضحكني – في اللحاق بي. لعله طفل يلهو؟ أبهذا الإصرار والترصد يلهو الأطفال؟! أزيد من سرعتي أكثر فيبتعد صوت الخطوات قليلا قبل أن يعود ليقترب. أسمع لهاثا مكتوما. أفكر في النظر إلى الخلف لكن هاتفا يأمرني بألا أفعل. يخبرني بأنه لا نظر للخلف في قواعد اللعبة! أصار الأمر لعبة؟

أنحرف إلى اليسار بشكل مفاجيء فألمح – قبل أن يسرع بالانحراف مثلي – شبحا أقصر مني وأصغر حجما. أطمئن أكثر ، وأقلل من سرعتي ، قليلا ، لأسمح له بالتقاط أنفاسه. يقترب مني أكثر. أكاد أشعر بحرارته. أبتسم ابتسامة أعلم أنه لن يراها.

أصل إلى أول الشارع الذي فيه البيت ، فأتجه يمينا ، وأترقب. يتبعني. أتسائل: متى تنتهي اللعبة؟!

أصل إلى مدخل البيت ، فتفترق خطواتنا أخيرا. أُخبـِر هاتفي الآمر بأن اللعبة انتهت ، وأنظر إلى الوراء. ألمح – وهي مستمرة في السير – جانب وجهها ، الذي زادته جمالا ابتسامتها التي كانت تعلم أنني سأراها.

# # #

أحمد الديب

25-11-2009





* نجمة بحر

30 08 2009

يقولون أن نجمات البحر تنسى كل شيء إذا خرجت من البحر. لكن نجمة البحر العجوز كانت تحتفظ بذاكرتها. تلك الأيام البعيدة قبل أن تجد نفسها في حوض العرض الزجاجي هذا. الأيام التي كانت تنادى فيها باسمها هي ، لا باسم “النجمة” الذي لا تطيقه.

هكذا كان يناديها سكان الحوض. كانوا يطلقون عليها في البداية اسم “نجمة البحر” ، لكنهم اكتشفوا أنه اسم طويل بلا حاجة ، كما أن “البحر” لم يعد موجودا ، فصار اسمها “نجمة”. حتى أن بعض الأسماك التي ولدت في الحوض يرونه اسما طويلا مملا لذلك كانوا يدعونها “نج” فقط.

وكانت تكره كل تلك الأسماء ، لكنها على كل حال لم تعد تسمع اسمها يتردد كثيرا ، فقد قرر الجميع أنها لم تعد مبهجة لطيفة بعد أن تقدمت في العمر وتحول لونها البرتقالي الزاهي إلى لون الرمال الشاحب ، كما أنها صارت أكثر ميلا للاختلاء بنفسها في ركن الحوض الوحيد الذي خلا من النباتات البلاستيكية فاقعة الخضرة.

تقول سمكة “الملاك” أن نجمة البحر قد فقدت القدرة على التمتع بالحياة هنا لأنها لم تعد تحب أحدا. والدليل على ذلك أنها لم تعد تحكي حكاياتها الطريفة لأحد.

وكانت سمكة “القط” تقول: “هي لم تحب أحدا منذ جاءت إلى هنا. كانت تتظاهر بذلك فقط لتصير محبوبة بيننا. هي أكثر غرورا من أن يكون لها صديق!”

والسمكة السوداء العجوز كانت تقول: “هو خيالها المسموم! نصحتها مرارا بأن تكون أكثر واقعية! لطالما حدثتني عن ذلك المكان الذي كانت تعيش فيه قبلا ، ومياهه الخضراء والزرقاء التي تتغير حرارتها كل ساعة! وأسماكه التي كانت تتحرك في أسراب هائلة ، ونباتاته العملاقة التي لا يمكن لحوض أن يحتويها. وصخوره التي تضج بالحياة كما تزعم! لم تكف المسكينة عن أحلام اليقظة! قلت لها كثيرا أن تحاول التكيف مع حياتها هنا لأنها لن ترى المكان الآخر ثانية ، هذا إن كان حقيقيا ولا أظنه كذلك!”

واحد فقط كان يتكلم مع نجمة البحر ، لا عنها. حصان البحر الصغير الذي لم ير البحر في عمره القصير قط ، لكنه كان يصدق حكاياتها عنه ، ويشتاق إلى الحياة في هذا المكان.

كان كلامها يقل مع مرور الوقت ، ويزداد اقتضابا وغموضا. وكان هو يزداد حبا لها ، ولحديثها.

وعندما رآها ذلك اليوم ساكنة أكثر من المعتاد – وقد بدا أن لونها البرتقالي القديم عاد إليها أخيرا – فهم أنها عادت هي الأخرى إلى حيث تنتمي.

* * *

يقولون أن أحصنة البحر تنسى كل شيء إذا فقدت عزيزا ، لكن حصان البحر – الذي صار عجوزا – كان يذكر جيدا آخر ما قالته نجمة البحر ، عندما سألها عن اسمها الحقيقي فأجابته بطريقتها المقتضبة:

“بحر”.

# # #

أحمد الديب
30-08-2009






* الولد والبحر

31 07 2009

كان الولد ذو البشرة المائلة قليلا إلى الزرقة يذهب إلى المدرسة الصغيرة القريبة من البحر. وكان يرى أن أيام المدرسة كلها متشابهة إلا اليوم الأول واليوم الأخير وذلك اليوم الذي حكى فيه المدرس للأولاد حكاية العجوز والبحر.

كان في تلك الحكاية شيئا جعله غير قادر على الكلام ، مع ذلك فقد بدأ باقي الأولاد في الكلام فور انتهاء المدرس.

قال الولد ذو النظارات: “هذه قصة جيدة ، فبها الكثير من الكلمات الجديدة التي لم أكن أعرفها.”

وقال الولد ذهبي الشعر: “كان للعجوز قارب واحد ، وأنا سيصير لي كل القوارب في العالم لأصطاد كل السمك في كل البحار.”

صاحت البنت ذات الحذاء الأحمر اللامع: “لكنني لا أحب السمك!”

وسألت البنت بالثوب الرمادي: “هل هي قصة خيالية أم أنها حدثت فعلا؟ أبي يقول إن الخيال كذب ، وأنه لا يجب أن نصغي إلا لما يحدث في الواقع.”

وأضاف الولد الضخم: “ولا يجب أن نصغي إلى الحكايات المملة كذلك! لم أسمع في حياتي قصة أقل إثارة من تلك!”

واستمر الأولاد في الكلام إلى نهاية اليوم ، لكنه لم يقل أي شيء. حتى بعد أن انتهى اليوم ومضى عائدا إلى بيته الصغير لم يتكلم. فقط كان يمشي بجوار البحر ويتأمله في صمت. فكر في أن ذلك البحر لم تكن له زرقة البحار التي يراها في الصور ، بل كان رائقا شفافا إلى درجة أنه كان يستطيع تمييز ألوان حبات الرمال المختلفة النائمة على القاع.

“منذ متى – يا ترى – ترقد حبات الرمال ها هنا؟ وهل كانت دوما على هذا الشكل؟ وهل ستصير كذلك إلى الأبد؟ لماذا لا تتقدم الرمال في العمر مثلنا؟ وهل ستظل هذه الحبات هنا إلى أن أصير عجوزا كالرجل في الحكاية؟”

هكذا فكر الولد وهو ينظر في المياه التي لم يكدر استواء سطحها سوى بضع قطرات من دموعه تساقطت دون أن يدري.

في الأيام التالية كان الجميع – حتى المدرس – قد نسوا كل شيء عن القصة. لكن الولد كان يذكرها في كل يوم في طريق ذهابه وفي طريق عودته. يتمهل قليلا ليتأمل البحر ، و تسافر عيناه إلى أماكن لم يرها قط ، فتتساقط دموعه لتلتحم بالبحر إلى الأبد.

وتمر السنوات و تتغير معها ملامح الناس والأرواح والأماكن. لكن عجائز البلدة يقولون أن الولد لم يفقد ارتباطه بالبحر قط ، ولم يغير البحر من لون بشرته المائل إلى الزرقة ، بل إنهم يزعمون – و لا أحد يعرف السبب يقينا – أن لون البحر هو الذي تغير حتى صار أكثر زرقة من كل البحار التي رأوها في الصور.

# # #

أحمد الديب
31-07-2009





* حجر

10 06 2009

الرجل عظيم المظهر الذي يعبر الطريق الآن هو السيد (واثق). يعرف الجميع أنه من النادر جدا رؤية السيد (واثق) يمشي على قدميه كسائر البشر. فالرجل – والحق يقال – مهم ، ولا وقت لديه لمثل تلك الممارسات.

ما لا يعرفه الناس هو أنه كان قد قرر اليوم أن يسمح لنفسه بساعة من المشي الهاديء ، فهو يعرف جيدا أن المشي يقلل من نسبة الدهون في الدم ، فيحمي بذلك عضلة قلبه وأوعيته الدموية ، لذا كان دائما ينصح المقربين إليه بالمشي صباحا ، وقد رأى أنه من المفيد أن يبدأ اليوم في تجربة العمل بنصيحته تلك.

كان ليتمتع بالهدوء أكثر لو لم تقع عيناه – المحتجزتان خلف زجاج نظاراته السوداء – على ذلك الشيخ الذي يمشي ببطء شديد على جانب الطريق قادما في الاتجاه المقابل. يرتدي جلبابا قد غطاه التراب والشحم حتى صار من الصعب معرفة لونه.

قال السيد (واثق) بصوت كاد أن يكون مسموعا: “شحاذ آخر! بالتأكيد هو شحاذ وإلا لماذا يرميني بتلك النظرة الذليلة؟ يا لوقاحة هؤلاء! يرموننا بنظراتهم تلك كأننا نحن السبب في ما يعانون منه! ترى هل يعرفون بأنهم حيوانات لا بشر؟ حيوانات جاهلة كسولة معدومة الحيلة. أنتم هكذا! فلم لا تموتون وتريحون أعيننا من نظراتكم ومناظركم؟ ثم لماذا يمشي شحاذ في مكان كهذا في وقت كهذا؟ ألن نستريح أبدا من ذلك الـ……… “

تعثر السيد (واثق) في ذلك الحجر الذي بدا وجوده غريبا في منتصف ذلك الطريق النظيف الممهد المعتنى به. سقط إلى الأرض وجرحت ركبته وتلوث بنطاله الأبيض بالتراب.

قام مسرعا وهو يلعن الحجر والذي تسبب في وجوده أيا كان ، ونفض التراب من على ملابسه بقدر المستطاع ، ثم راح يمشي عائدا إلى بيته بعد أن أفسدت الحادثة شهيته للمشي.

في طريق العودة رأى مشهدا لم يسره. امرأة تغطي جسدها ورأسها بالسواد ، تجلس على جانب الطريق ورأسها تتدلى على صدرها. ساكنة لا تتحرك ، وقد وضعت أمامها ورقة من الكرتون تمددت فوقها بعض حبات البونبون وأكياس المناديل الورقية.

فكر في غيظ: “تضع المناديل والبونبون أمامها كأنها تبيع لا تتسول! يا للاستخفاف بالعقول! لم لا تجد عملا حقيقيا بدلا من التسول المقنع هذا؟ لعلها ابنة لرجل أحمق رفض أن يعلمها. لا بد أن يدفع الناس ثمن غبائهم. ثم ، أليس من العيب أيضا أن تقضي امرأة ليلها بالكامل حتى الصباح الباكر في الشارع هكذا؟ أليس من المحتمل أن تكون تلك المرأة ……… “

حجر آخر! وهذه المرة كانت السقطة أعنف ، فقد جرحت رأسه وسال دمه ليختلط بتراب الأرض على جبهته. صرخ الرجل صرخة تحمل من الغيظ أضعاف ما تحمل من الألم. نهض وهو يمسح الدم وينظر إلى كفه في رعب. لعن الشيخ والمرأة والأحجار والشارع واليوم ، ثم قام ليسرع في عودته لينهي ساعة النحس تلك. غير أنه لم يكد يمضي بضعة خطوات حتى أدرك سمعه صوت كبكاء رضيع. نظر في اتجاه الصوت ليجد قطعة من القماش ملقاة بجانب أحد المباني ، تلف جسدا ضئيلا حديث العهد بالدنيا يموج بالحركة والصراخ.

هتف السيد (واثق) بصوت عال هذه المرة: “طبعا! تلك هي النتيجة الحتمية لما نراه! صعاليك يمشون في شوراعنا ونساء لا أخلاق لهن يسهرون طيلة الليل! ماذا تفعل الشرطة إن لم تحفظ المجتمع من تلك الحيوانات؟ أين النظام؟ كيف يسكتون على هذه الفضائح المخزية؟ لا بد أن هذا المولود سيكبر ليصير شحاذا منحرفا أو امرأة ساقطة! أين ذهبت الأخلاق؟ أين ذهبت الأخلاق؟ ………”

* * *

الرجل عظيم المظهر اسمه السيد (واثق). وبالرغم من أنه لا يرى كثيرا يمشي على قدميه ، إلا إنه يمكنك أن تراه الآن يمشي مسرعا إلى بيته ، متجاوزا الرضيع وصراخه ، ماضيا في طريقه النظيف الممهد المعتنى به الذي خلا تماما من الأحجار.

# # #

أحمد الديب
10-06-2009





* ديسمبر 2007 – إنتي

17 05 2009

وأخيرا ، ومع اقتراب يوم 31 مايو 2009 – عيد الميلاد الأول لمدونة “في النص” – أنشر العمل الذي أعتبره آخر ما كتبته “وأنا صغير”. تحديدا في ديسمبر 2007 ، لأنني قد “كبرت” في ذلك الشهر والشهرين التاليين له مثلما كبرت في عمري كله ، وأكثر. وقد كتبت أول “في النص” في 20 أبريل 2008 ، أي بعد حوالي خمسة شهور فقط من آخر ما كتبته و”أنا صغير”.
أقدم إليكم اليوم (إنتي) وهي قصيدة قزمة من رباعيتين ، فصل بين كل منهما شهور ، وأحداث.

= = = = =

إنتي

بأحبك يا إنتي
لأن إنتي إنتي
بأحبك وأسبابي تملا الكتب
وأحبك حتى لو من غير سبب
. . . . .
وح أفضل أحبك
ولسه إنتي إنتي
وروحك أغاني وقلبك دهب
بأحبك حتى لو زال السبب
. . . . .

# # #

أحمد الديب

08-12-2007





* يونيو 2002 – أنشودة الإمساء

12 05 2009

مرة أخرى أكتب مقدمة صغيرة. لأن هذه القصيدة هي ما قبل الأخيرة في فئة (زمان وأنا صغير) على هذه المدونة. هذه المدونة التي تشارف على الاحتفال بعيد مولدها الأول: 31 مايو 2008 ، والاحتفال بتجاوز الستين تدوينة ، والعشرة آلاف زائر ، والألف تعليق.
هذه القصيدة بالذات من أقدم ما كتبت. كتبتها في ليالي امتحانات الثانوية العامة. تحديدا قبل ثلاثة أيام من امتحان اللغة العربية. أذكر أنني ضيعت يوما كاملا في كتابتها لكنني – كما ترون – لم أندم كثيرا! اعذروني لسوداوية القصيدة وبنفسجيتها كذلك! وانتظروا قريبا آخر ما كتبته (وأنا صغير)! وكل سنة وقراء (في النص) بكل خير.
. . . . .

أنشودة الإمساء

حلم هو
بل قل نبوءة أو نذير
إذ كنت أغرق – أو أكاد – كروح طير لا تطير
و البحر يعلو ثائرا
تعوي ذئاب الزمهرير
و أصيح ، لا يأتي الجواب
حتى الصدى في الكون ذاب
أو رده دمع السحاب
وظننت أنني الأخير
فبقيت أنتظر المصير
* * * * * * * * *
لكنها كانت هناك
تصغي إلى وحي الشجر
ترنو إلى نور القمر
و على حطام الصخر تجلس تنتظر
و ترى الشروق الطفل يحبو
من بعيد ينتشر
* * * * * * * * *
ناديتها حتى الثمالة
من كأس زفرات الأنين
الموت آت لا محالة”
أرجوك لا
“لا تخذلين
سكنت قليلا
أطرقت
لكنها لم تلتفت
بل للوراء تراجعت
حتى اختفت
و بذلك اندثر اليقين
* * * * * * * * *
السيل حولي ينهمر
مثل الرماح الماضية
و الموج يحتشد احتشادا كالوحوش الضارية
و هنا
فطنت إلى حماقة من يذوب بطاغية
فحبيبتي لم تلتفت
بل للسهول توجهت
و أعرضت
متناسية
* * * * * * * * *
و بعد يوم أقبلت
بعبرة عند المساء
بحثت عن الرجل الذي قد منحها كل الولاء
بل عشقها حتى النخاع
و عذبته إلى الفناء
لكنها – يا للخسارة – لم تجد إلا الخواء
و قطيع غربان حزين يمتطي فرس السماء
سكنت قليلا
أطرقت
ثم الدموع تحدرت
و في الضمير ترددت
أنشودة الإمساء

# # #

أحمد الديب
03-06-2002





* أغسطس 2004 – قصة قصيرة

5 05 2009

كانت الشمس في الأفق البعيد قد اصطبغت كليا بتلك الحمرة المدهشة معلنة بذلك استعدادها للرحيل..و كذلك كان ذلك القطار الشاحب الرابض في المحطة ينذر بالتحرك..إذ أطلق صفارته الطويلة الحزينة قبل أن يبدأ بالتقدم في بطء شديد..
و على ذلك المقعد القديم المتهالك من مقاعد القطار جلس ذلك الرجل الأسمر النحيل محدقا في الفراغ عبر نافذة القطار الزجاجية..كانت عيناه الشاردتان معلقتين بجانب الطريق،تتابعان الحقول الخضراء التي أخذ لونها في التحول- تدريجيا- إلى ذلك اللون الأسود المبهم..و مع سيطرة اللون الأسود على جميع الموجودات الخارجية،توقف الرجل عن متابعة ما يجري وراء لوح الزجاج البارد..و خامرته لحظات- فقط بضع لحظات- من شرود البصر مع شرود الذهن…
في لحظات شروده رأى الحقول الخضراء..رأى نفسه طفلا صغيرا يلهو مع أقرانه بجوار ذلك البيت الصغير القديم،و شاهد تلك الشجرة العجوز التي كان يأوي إليها عندما تغرب الشمس..
رأى الفناء الترابي الفسيح الذي كان في استقباله كل صباح عند قدومه إلى المدرسة حاملا حقيبته الصغيرة و همومه الذاتية الطفلة..
رأى تلك الابتسامة الخجول التي ارتسمت- لمدة ثانية واحدة- على شفتي تلك الفتاة عندما تلاقت أعينهما بمحض الصدفة..
رأى بيته الصغير الحبيب..ذلك المكتب الخشبي البسيط الذي طالما جلس إليه محاولا أو متظاهرا باستذكار دروسه..و تلك المنضدة المستديرة المنخفضة التي كانت الأسرة تجتمع إليها يوميا لتناول الإفطار كل صباح..و ذاك المذياع الضخم الذي كان يجلس بجواره كل مساء مستمعا إلى بعض الألحان التي ذهبت كلماتها أو كادت…
أيضا رأى في غفوته هذه مدرج الكلية الكبير،و وجوه زملائه في الجامعة تطفو على المشهد..تظهر و تختفي كلها ما عدا ذلك الوجه البارز المتميز..وجه زوجته التي يحبها- و أولاده- أكثر من أي شيء آخر…
رأى الكثير الكثير في تلك اللحظات القليلة؛ أشياء حدثت،و أخرى تحدث…
فقد تسرب اللون الأسود المبهم- بلا سابق إنذار- من الخارج إلى الداخل..من العالم الخارجي المجهول خلف نافذة القطار إلي أعمق أعماق نفسه…
و عندئذ فقط رأى مكتبه الضيق الذي يجلس إليه- دون أن يفعل شيئا يذكر- طوال ساعات العمل بتلك الوظيفة البائسة المملة التي لم يجد غيرها في بحثه المرهق عن عمل…
و رأى منزله الكئيب الذي كلفه خمسة أعوام من العمل و الادخار، و عامين آخرين من البحث بل التنقيب..
و رأى راتبه الشهري الضئيل الذي يكفي- بالكاد- لبقائه على قيد الحياة و أسرته الصغيرة..
و رأى وجوه أولاده و قد غابت عنها البسمة و السعادة، و انطبعت بطابع الشقاء و الانكسار..
و رأى وجه زوجته و قد حفر الدهر عليه خطوطه القاسية، و كأنما قد اتخذ القهر و اليأس و الإحباط منه بيتا…
بل رأى نفسه عائدا من العمل- بعد يوم شاق من المكوث بلا عمل- على متن القطار الشاحب الحزين..
و رأى محصل التذاكر قادما نحوه من بعيد صائحا: “تذاكر؟! التذاكر يا أساتذه!”…
و رأى…..
كلا…هذه المرة لم ير أي شيء، لكنه شعر بتلك اليد الثقيلة المشعرة التي تهزه في عنف لتوقظه من شروده- الذي لم يدم أكثر من بضع لحظات- و تعود به مرة أخرى إلى واقعه المرير…
“تذكرة يا أستاذ؟!”… قالها محصل التذاكر بلا مبالاة مشوبة ببعض التهكم..
مسرعا مد الرجل يده اليمنى في جيبه بحثا عن ثمن التذكرة و مرر- مسرعا أيضا- أنامل يده اليسرى من تحت عينيه محاولا إزالة قطرات الدمع الدافئة التي تحدرت صامتة- و ببطء شديد- على وجنتيه الذابلتين…

# # #

أحمد الديب
01-08-2004





* في النصف الأول من 2002 – حلم ليلة عيد

1 05 2009

<!–[if gte mso 9]> Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA <![endif]–><!–[if gte mso 9]> <![endif]–> <!–[endif]–>

جرت عادتي على أن أنشر بعض ما كتبته قديما هنا تحت عنوان (زمان وأنا صغير) وذلك لسببين في الواقع: أولا أنه كتب “من زمان” ، ثانيا أنني كتبته “وأنا صغير”. ما علينا. المهم إن العادة جرت كذلك على ألا أكتب مقدمات من أي نوع. أكتفي بإشارة سخيفة إلى أنه “إبريل 2005″ وخلاص. لكن هذه المرة اكتشفت – أو بالأحرى اكتشفت أمي – تلك الورقات التي كنت قد كتبت عليها أول قصصي القصيرة. (وقد كنت أعتقد أن أول قصة قصيرة كتبتها هي تلك القصة بعنوان “قصة قصيرة” لكنني كنت أحمق كالعادة)

هذه القصة بالذات لم تكن مذيلة بإمضائي يليه التاريخ الذي كتبت فيه القصة. ربما لأنني كنت “أبصم” ساعتها لا أمضي. ربما لأنها كتبت في عصور ما قبل التاريخ. لكن السبب الأقرب للمنطق هو أنني كنت مشغولا ساعتها بحفظ قصيدة المساء لخليل جبران فنسيت كتابة التاريخ. وبما أن قصيدة مطران كانت مقررة ضمن منهج الصف الثالث الثانوي ، وبما أنه لم يحدث أبدا أن قمت بمذاكرة أي شيء في الثانوية العامة قبل دخول إبريل ، فقد كتبت هذه القصة غالبا في إبريل أو مايو أو … اسمه إيه الشهر اللي بعد مايو؟ آه! يونيو. في عام 2002 طبعا. أي منذ سبع سنين تقريبا.

الذي أدهشني أن هذه القصة الموغلة في القدم – نسبيا يعني – تشبهني الآن أقرب من أي (زمان وأنا صغير) آخر! وقد نشرتها كما هي متغلبا على الوسواس القهري الذي كان يدفعني دفعا لإعادة صياغة ذلك التعبير ، أو حذف تلك الجملة الساذجة. المهم يعني. لا أعدكم بنفس الدرجة من الاندهاش بالطبع – فذلك يتطلب أن تحللني نفسيا أولا – لكن (الصغير) الذي بداخلي يتمنى أن تعجبكم.

أحمد الديب
01-05-2009

= = = = =


<!–[if gte mso 9]> Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA <![endif]–><!–[if gte mso 9]> <![endif]–> <!–[endif]–>

حلم ليلة عيد


“أمي. أمي. تعالي بسرعة! الفراخ باضت كلها!”

بهذه الصيحة الممتزجة بالسعادة الطفولية البريئة نادى الأطفال الخمسة أمهم التي كانت منهمكة في حياكة بعض الملابس للجيران. ملابس العيد الكبير التي كان يجب أن تنتهي منها تماما بعد يوم أو يومين على الأكثر.

“صحيح والله يا عيال؟! يا ما أنت كريم يا رب!”

وهكذا هرعت الأم لتشاهد الكنز – البيض البلدي الطازج – الذي رزقت به لتوها بعين مليئة بالفرحة الممتزجة بالدهشة وعدم التصديق. فها هو حلمها بابتياع ملابس العيد لأطفالها من الإسكندرية قد أصبح قريب المنال ، بعد أن كانت قد يأست من تحقيقه لأطفالها التعساء. فهي لا تجيد إلا تطريز “الجلاليب الحريمي” ولا تملك إلا الملاليم التي تلقيها إليها الجارات مقابل تلك “الجلاليب”. وأطفالها بالطبع يرون ملابس أقرانهم من أطفال القرية ، ويكتمون حزنهم. كان ذلك البيض إذن هو الأمل الوحيد أمامها لتحقيق حلمها وحلم أطفالها.

بنشاط وخفة غير معهودين راحت تجمع البيض من عشة الدجاج.

“هل ستبيعين كل هذا البيض يا أمي؟” سألها أحد الأطفال.

“نعم يا حبيبي. وسأجلب لكم بثمنه ملابس العيد من الإسكندرية!”

بصوت واحد صاح الأطفال: “هيه! هيه! ربنا يخليكي لنا يا أمي! يا أحسن أم في الدنيا!”

وتقافز الأطفال الواحد تلو الآخر يلثمونها ويحتضنونها.

“وسأذهب لبيعه في الإسكندرية لأستطيع إحضار ملابس العيد. ففي الإسكندرية يشترون البيضة بربع جنيه كامل!” هكذا حدثت نفسها.

“ولكن ليس معي إلا ما يكفيني فقط للذهاب. ولا أستطيع بيع إحدى الفرخات فهي مصدر رزقي. ولكن ربنا سوف يفرجها كما فرجها أول مرة بإذنه تعالى.”

وهكذا نجد الأم ومعها سلة البيض واقفة تنتظر القطار المتجه إلى الإسكندرية ، وهكذا نراها تصعد إلى القطار الذي أتى بعد دقائق.

وفي القطار نراها غارقة في خواطرها وأحلامها ، إلى أن توقف القطار في محطة “سيدي جابر”.

نزلت المرأة إلى أرض الإسكندرية التي اعتادتها ، فهي تجيء إلى هناك كل شهر لتبيع البيض والجبن والفطير. أخبرها أحد الأولاد بمكان جيد يمكن أن تكثر فيه الزبائن.

بالطبع مشيت إلى ذلك المكان لأنها لا تملك حتى ثمن تذكرة الحافلة إلى هناك.

كانت متوكلة على الله تماما. تمشي في الشارع الواسع المزدحم بالسيارات السريعة. تمشي غارقة في الأحلام والأوهام. تمشي دون حتى أن تلاحظ تلك السيارة المسرعة التي يقودها ذلك الشاب التافه الأحمق. تمشي دون أن تنتبه إلى أن السيارة مصطدمة بسلة البيض في يدها لا محالة.

وهنا ، هنا فقط ، توقفت المرأة عن السير. ووقفت برهة – بعينين جامدتين – ترمق البيض المهشم على الطريق المزدحم.

 

# # #

 

أحمد الديب
في النصف الأول من 2002





* الحبار

14 04 2009
البحر مزعج الاتساع. والمياه العميقة مؤلمة البرودة. واللون الأزرق – الذي يقرن دائما بالجمال – يصبح مخيفا إن كان يصبغ كل ما يحيط بك.
هكذا كان الحبار الصغير يفكر. كان يبدو عجيبا حتى بالنسبة لحبار! فقد كان أبيض اللون تماما ، لو رأيته من مسافة بعيدة لحسبته نجمة لامعة هبطت من السماء لتسبح في المحيط.
ربما لذلك السبب ترسخ في اعتقاد الجميع أنه هو بالذات معرض للخطر أكثر من غيره. فبياضه الأخاذ هذا كان حتما ليأخذ عيون أعدائه. وما أكثر أعداء الحبار! هكذا علموه ، وهكذا تعلم.

علموه أيضا أن لدى الحبار طرق عجيبة للهروب من أعدائه. فباستطاعته – إن رأى خطرا – أن يقذف حبرا أسود يعكر الماء فيعجز مهاجمه عن رؤيته لفترة تسمح للحبار بأن يسبح مسرعا إلى الخلف بتلك الطريقة التي تبدو مضحكة لأي مخلوق آخر يشاهدها ، إلا أنها كانت تبدو طبيعية تماما بالنسبة لحبار.

ذات مرة رأى سمكة من تلك الأسماك البرتقالية ذات الخطوط البيضاء والتي يطلقون عليها أسماك المهرج. فكر الحبار في أن الاسم يناسبها تماما ، لأنه رأى أن تلك السمكة كانت سخيفة إلى أقصى حد. فقد استفزه لونها الفاقع ، كما أنها كانت تتحرك إلى الأمام لا إلى الخلف. ما جعل الأمر لا يحتمل هو أنها أخذت تدور حوله وتتأمله بعينيها الغبيتين. ثم أطلقت فقاعتي هواء نحوه كما تفعل الأسماك عادة إذا أرادت أن تبدأ صداقة. لكنه حبار ولا يعرف إلا القليل جدا من لغة الأسماك. لذلك فقد انزعج بشدة من اقترابها الذي بدا مخيفا غير مفهوم وقرر أن ينهي ذلك الموقف السخيف بزختين من حبره الأسود.

تذكر تلك الحادثة عندما كان يتجول قريبا من صخرة على القاع ، ورأى محارة كبيرة جلس فوقها مخلوق رائع الجمال. لم ير في حياته زهورا بالطبع لكنه لو كان رآها لفكر أن ذلك الكائن يشبه الزهرة. اقترب في حذره المعتاد ليتحسسه بأقدامه – نعم ، فهذه هي طريقة الحبار في التعبير عن الإعجاب الشديد – لكنه سمع طقطقة خافتة من أسفل المحارة التي اهتزت قليلا ، فتراجع فورا في ذعر.

رأى – مندهشا – أشياء غريبة تخرج ببطء شديد من أسفل المحارة. تشبه أقدام الجمبري لكنها أكبر حجما. وسمع من يقول:
“لا تقترب أكثر! إنه يلسع. ولسعته مؤلمة.”
لم يتحرك الحبار ولم يقل شيئا. فقد كان يفضل أن يخبره الآخرون بكل ما لديهم أولا.
تابع الصوت: “يسمونه الأنيمون. أرى أن اسمه هذا لا يعني شيئا ولا يفشي بخطورته. المشكلة الحقيقية أن شكله أكثر براءة من اسمه! لكنه صديقي على كل حال وأنا أحبه ، فهو يحميني من المتطفلين. لا أقصدك بالطبع ، فأنا لا أرى شرا في عينيك.”
ازداد توجس الحبار ، فأقدام الجمبري تقول الآن إنها تراه وهو لم يكن يحب أن يراه أحد.
تكلم الحبار أخيرا ، وقد كان كلامه – كالعادة – سؤالا. وأسئلة الحبار لا تزيد في طولها عن كلمتين أو ثلاثة:
“ما أنت؟”
“أنا سرطان. يسمونني بالناسك لأنني لا أخرج من محارتي هذه إلا نادرا. لكني لا أجده اسما مناسبا كذلك. فأنا لا أخرج لأنني ضعيف. ولأنه لا أحد يحب رؤيتي. فأنا لست جميلا كالأنيمون. لست جميلا على الإطلاق.”
“ولماذا أنت معه؟”
“هي قصة طويلة. على كل حال يمكن أن تقول إن صداقة حقيقية تربطنا.”
لم يفهم الحبار تماما كيف تكون هناك صداقة حقيقية بين الجميل القوي والقبيح الضعيف ، لكنه سأل سؤالا آخر بدافع الفضول ، فقد كان يريد أن يرى بنفسه مدى قبح السرطان:
“ممكن أن تخرج؟”
“هل أنت جاد؟ تريد أن تراني؟ لكنك لن تسعد برؤيتي. لم يسعد أحد برؤيتي قط إلا صديقي الأنيمون. لكني أشعر أنك طيب لذا سأخرج حالا.”
اقترب الحبار قليلا ليتمكن من الرؤية. رأى المحارة تتحرك فجأة إلى أعلى. ومن تحتها خرجت أقدام السرطان بطولها الكامل الذي أفزعه ، ثم انتفضت المحارة وأطل جسد السرطان كله خارجا منها.
هنا رأى كلابين ضخمين رفعهما السرطان عاليا وأخذ يحركهما – وهي طريقة السرطانات لتقديم التحية بالطبع – ورأي السرطان يجري نحوه بطريقة مفزعة للغاية!
أصابه رعب شديد ، ودون أن يدري بدأ في إطلاق زخات عديدة من الحبر إلى أن أصبح هو نفسه عاجزا تماما عن الرؤية. هنا شعر بتيار عنيف من الماء يندفع بجواره تماما. خطر له خاطر مخيف لم يتيقن من صحته إلا عندما شعر بالأسنان الحادة لتلك السمكة الفضية الكبيرة – التي كان يراها تقف بعيدا في سكون طوال الوقت – تخترق جسده الأبيض اللين.
في لحظاته الأخيرة ألحت عليه فكرة واحدة: أنه تعلم قذف الحبر ولم يتعلم قط على من يقذفه.

# # #

أحمد الديب
14-04-2009





* في النص 30

11 04 2009

كانت إحدى قدمي فوق الدرجة الأولى من ذلك السلم القزم ذي الدرجات الثلاثة ، أتابع – بشيء من الدهشة – صخب المحتفلين ، فأبتسم. أنظر إلى صمت السماء فوقنا ، فأتجهم. أشعر بما يجذب قماش البنطلون عند ركبتي ، فأجفل. الطفل – الذي بدا كأنما تعلم المشي لساعته – ينظر إلى السماء ، ثم إلى عيني متسائلا ، فأنظر إلى عينيه متسائلا. تشرق أعيننا – للحظة – بفرحة خالصة. أحيط يده بكفي فتتوهج فرحتنا سرا. أساعده – دون تدخل كثير – على ارتقاء السلم القزم ذي الدرجات الثلاثة.

# # #

أحمد الديب
11-04-2009








Follow

Get every new post delivered to your Inbox.